فهرس الكتاب

الصفحة 759 من 1150

وكذلك يجب أن تعلموا أنكم تصيبون الكثيرين منهم فلا تتوانوا في نصرة الحق مهما كان الثمن باهظا لأن هذه سنة الله تعالى في الابتلاء والتمحيص قال تعالى:

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138) وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) سورة آل عمران

إن القرآن ليربط ماضي البشرية بحاضرها , وحاضرها بماضيها , فيشير من خلال ذلك كله إلى مستقبلها. وهؤلاء العرب الذين وجه إليهم القول أول مرة لم تكن حياتهم , ولم تكن معارفهم , ولم تكن تجاربهم - قبل الإسلام - لتسمح لهم بمثل هذه النظرة الشاملة. لولا هذا الإسلام - وكتابه القرآن - الذي أنشأهم به الله نشأة أخرى , وخلق به منهم أمة تقود الدنيا. .

إن النظام القبلي الذي كانوا يعيشون في ظله , ما كان ليقود تفكيرهم إلى الربط بين سكان الجزيرة وماجريات حياتهم ; فضلا على الربط بين سكان هذه الأرض وأحداثها , فضلا على الربط بين الأحداث العالمية والسنن الكونية التي تجري وفقها الحياة جميعا. . وهي نقلة بعيدة لم تنبع من البيئة , ولم تنشأ من مقتضيات الحياة في ذلك الزمان! إنما حملتها إليهم هذه العقيدة. بل حملتهم إليها! وارتقت بهم إلى مستواها , في ربع قرن من الزمان. على حين أن غيرهم من معاصريهم لم يرتفعوا إلى هذا الأفق من التفكير العالي إلا بعد قرون وقرون ; ولم يهتدوا إلى ثبات السنن والنواميس الكونية , إلا بعد أجيال وأجيال. . فلما اهتدوا إلى ثبات السنن والنواميس نسوا أن معها كذلك طلاقة المشيئة الإلهية , وأنه إلى الله تصير الأمور. . فأما هذه الأمة المختارة فقد استيقنت هذا كله , واتسع له تصورها , ووقع في حسها التوازن بين ثبات السنن وطلاقة المشيئة , فاستقامت حياتها على التعامل مع سنن الله الثابتة والاطمئنان - بعد هذا - إلى مشيئته الطليقة!

إن الكلمة الهادية لا يستشرفها إلا القلب المؤمن المفتوح للهدى. والعظة البالغة لا ينتفع بها إلا القلب التقي الذي يخفق لها ويتحرك بها. . والناس قلما ينقصهم العلم بالحق والباطل , وبالهدى والضلال. . إن الحق بطبيعته من الوضوح والظهور بحيث لا يحتاج إلى بيان طويل. إنما تنقص الناس الرغبة في الحق , والقدرة على اختيار طريقه. . والرغبة في الحق والقدرة على اختيار طريقه لا ينشئهما إلا الإيمان , ولا يحفظهما إلا التقوى. . ومن ثم تتكرر في القرآن أمثال هذه التقريرات. تنص على أن ما في هذا الكتاب من حق , ومن هدى , ومن نور , ومن موعظة , ومن عبرة. . . إنما هي للمؤمنين وللمتقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت