قوله تعالى: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ» معطوف على قوله تعالى: «ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ» ..
والربط بين الحكمين لازم، لأن عدم اطلاع المؤمنين على الغيب، وما أراد الله لهم وكتب عليهم، يقتضى أن يؤمروا وأن ينهوا وأن يدعوا إلى الامتحان والابتلاء والجهاد في سبيل الله ..
ولو كان الغيب مكشوفا للناس لما كان ثمّة داعية إلى أمر أو نهى، فكلّ يعرف مصيره الذي هو صائر إليه .. ولو عرف الناس مصائرهم مقدما، وانكشف لهم مستقبلهم خطوة خطوة، لما احتملت طبيعتهم البشرية هذا الموقف الذي يرى فيه الإنسان وجوده كله من مبدئه إلى نهايته، ولكانت فتنة في الأرض وفساد كبير ..
ففى حجب المستقبل عنّا رحمة بنا، وإحسان إلينا، واستدعاء لوجودنا كلّه لمواجهة المجهول، ومحاولة كشفه واستخراج ما في أطوائه، من خير وشر، وحلو ومرّ .. فهو على أي حال ثمرة مجهود، وحصاد معركة!! وانظر .. لو أن إنسانا ما عرف عن يقين من سجّل القدر أنه في يوم كذا، في ساعة كذا، ستصدمه سيارة تقضى عليه، أو تشبّ فيه نار فتلتهمه، أو أن أحد أبنائه سيحدث له حادث أليم .. ماذا تكون حالة هذا الإنسان، منذ أن يطلع على هذا الغيب إلى أن يقع؟ هل يهنؤه طعام، أو يسوغ له شراب، أو يهدأ له قلب أو يستريح له بال؟ إنه في همّ دائم، وكرب كارب، وعذاب أليم؟!
وأكثر من هذا .. لو أن هذا الإنسان اطلع الغيب فرأى- وهو الفقير المعدم- أنه بعد كذا من السنين سينال الغنى الواسع والثراء العريض، وأنه سيشبع من جوع، ويكتسى من عرى، وينال ما يشتهى من متع الدنيا، بعد هذا الحرمان الطويل .. ماذا تراه في يومه هذا، وهو ينتظر ذلك اليوم الموعود؟
إنه يعيش تلك السنين الفاصلة بينه وبين هذا اليوم، في عذاب، دونه كل عذاب .. إنه يعدّ الأيام لحظة لحظة، ويدفع مسيرة، الزمن بكل ما في كيانه من قوى ظاهرة وباطنه .. والزمن قائم في وجهه، جاثم على صدره، كأنه جبال الدنيا كلها مجتمعة عليه .. إنه يودّ أن ينام نومة أهل الكهف فلا يستيقظ إلا على يومه الموعود .. ولكن أنّى له ذلك، وهو مشدود إلى الحياة، مقيد بقيود الزمن الثقيلة العاتية؟
من رحمة الله علينا إذن كان هذا الذي صنعه الله بنا، فحجب عنّا ما أراده لنا، وما قضاه علينا، فنعمل بإرادة، ونمضى بعزم، ونعيش مع أمل ..
فقوله تعالى: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ» دعوة للمؤمنين إلى العمل حسب ما يأمرهم الله به، وبين تلك الأوامر الجهاد في سبيل الله، والثبات في وجه العدوّ، والعمل على انتزاع النصر منه .. ذلك هو المطلوب من المؤمنين في مثل هذا الموقف .. أما ما يؤول إليه الأمر، وما يسفر عنه القتال، فذلك علمه عند الله .. وعلى المؤمنين أن يرضوا بما يقع، أيّا كان، بعد أن امتثلوا أمر الله، وأعطوه كل جهدهم.