فهرس الكتاب

الصفحة 630 من 1150

هَؤُلاءِ المَخْدُوعُونَ أنَّ اللهَ عَالِمٌ بِمَسْلَكِهِمْ وَسَرَائِرِهِمْ، وَهُوَ يَخْدَعُهُمْ إذْ يَسْتَدْرِجُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ، وَضَلاَلِهِمْ، وَيَخْدَعُهُمْ عَنِ الحَقِّ وَالوُصُولِ إلَيْهِ، فِي الدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ.

وَمِنْ صِفَةِ هَؤُلاءِ المُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ حَتَّى فِي الصَّلاَةِ، التِي هِيَ أَعْظَمُ الفَرَائِضِ وَالقُرُبَاتِ إلَى اللهِ، لا يُؤَدُّونَها إلا وَهُمْ كُسَالَى، لاَ حَمَاسَةَ لَهُمْ فِيهَا، لأَنَّهُمْ لا نِيَّةَ لَهُمْ وَلا إِيمَانَ لَهُمْ، وَلاَ يَفْقَهُونَ مَعْنَى الصَّلاَةِ، وَهُمْ يَتَظَاهَرُونَ بِالصَّلاَةِ أَمَامَ النَّاسِ، تَقِيَّةً وَمُصَانَعَةً، وَهُمْ فِي صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ لاَهُونَ لاَ يَخْشَعُونَ، وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إلاَّ قَلِيلًا. والمُنَافِقُونَ مُحَيَّرُونَ بَيْنَ الإِيمَانِ وَبَيْنَ الكُفْرِ، فَلاَ هُمْ مَعَ المُؤْمِنِينَ، ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلاَ هُمْ مَعَ الكَافِرِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَرِيهِ الشَّكُّ، فَتَارَةً يَمِيلُ إلَى هَؤُلاَءِ، وَتَارَةً يَمِيلُ إلَى أُوْلَئِكَ. وَمَنْ صَرَفَهُ اللهُ تَعَالَى عَنْ طَرِيقِ الهُدَى، فَلَنْ تَجِدَ لَهُ مُنْقِذًا وَلاَ مُرْشِدًا، فَإِنَّهُ تَعَالَى لاَ مُعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ، وَلاَ يَسْألُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْأَلُونَ. (1)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ» (2)

"وهي صورة منفرة. تبدأ بتقرير ما يكنه المنافقون للجماعة المسلمة من الشر، وما يتربصون بها من الدوائر. وهم - مع ذلك - يتظاهرون بالمودة للمسلمين حين يكون لهم فتح من الله ونعمة فيقولون: حينئذ: «أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟» .. ويعنون أنهم كانوا معهم في الموقعة - فقد كانوا يخرجون أحيانا يخذلون ويخلخلون الصفوف: - أو يعنون أنهم كانوا معهم بقلوبهم! وأنهم ناصروهم وحموا ظهورهم! «وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؟» .."

يعنون أنهم آزروهم وناصروهم وحموا ظهورهم وخذّلوا عنهم وخلخلوا الصفوف!!

وهكذا يتلوون كالديدان والثعابين. في قلوبهم السم. وعلى ألسنتهم الدهان! ولكنهم بعد ضعاف صورتهم زرية شائهة تعافها نفوس المؤمنين .. وهذه إحدى لمسات المنهج لنفوس المؤمنين.

ولما كانت الخطة التي اتبعها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بتوجيه ربه في مسألة المنافقين، هي الإغضاء والإعراض، وتحذير المؤمنين وتبصيرهم بأمرهم في الطريق إلى تصفية هذا المعسكر اللعين! فإنه يكلهم هنا إلى حكم الله في الآخرة حيث يكشف الستار عنهم، وينالهم جزاء ما يكيدون للمسلمين: «فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ» .. حيث لا مجال للكيد والتآمر والتبييت ولا مجال لإخفاء مكنونات الصدور. ويطمئن الذين آمنوا بوعد من الله قاطع أن هذا الكيد الخفي الماكر، وهذا التآمر مع الكافرين، لن يغير ميزان الأمور ولن يجعل الغلبة والقهر للكافرين على المؤمنين: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» ..

وفي تفسير هذه الآية وردت رواية أن المقصود بهذا النص يوم القيامة. حيث يحكم الله بين المؤمنين والمنافقين فلا يكون هناك للكافرين على المؤمنين سبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت