والآيات استمرار للتعقيب على الفصل القصصي كما هو واضح. وقد استهدفت تطمين النبي والمؤمنين وتثبيتهم وبعث الأمل والوثوق في نفوسهم إزاء ما يلقونه من عنت الكفار وبغيهم. ولقد سبق تطمين قوي مثل هذا التطمين في سورة الصافات التي نزلت قبل قليل من هذه السورة حيث يمكن القول إن ظروف السيرة في مكة كانت تقتضي مواصلة ذلك. وإنه كان من عوامل ما كان يبدو من النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الأولين من قوة وثبات وجرأة ويقين واستغراق في الله ودينه ودعوته. ونكرر هنا ما قلناه قبل من أن الله تعالى قد حقق وعده للنبي والمؤمنين فعلا فنصرهم الله وصارت كلمته هي العليا وتحققت بذلك المعجزة القرآنية.
ومع خصوصية هذا التطمين وصلته بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم فإنّ في إطلاق العبارة القرآنية تلقينا جليلا مستمر المدى يستمد منه كل مؤمن يدعو إلى الله ودينه ومبادئه السامية ويناضل في سبيلها اليقين والقوة والجرأة ويجعله يستبشر بنصر الله وتأييده إذا ما كانت دعوته ونضاله بصدق وإخلاص." [1] "
وقال الطاهر بن عاشور:"كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ وَهُوَ اسْتِخْلَاصٌ لِلْعِبْرَةِ مِنِ الْقِصَصِ الْمَاضِيَةِ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَعْدِهُ بِحُسْنِ الْعَاقِبَةِ، وَتَسْلِيَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَعْدِهِمْ بِالنَّصْرِ وَحُسْنِ الْعَاقِبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْكَلَامَ مِنِ ابْتِدَاءِ السُّورَةِ كَانَ بِذِكْرِ مُجَادَلَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [غَافِر: 4] وَأَوْمَأَ إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَن شيعهم آئلة إِلَى خَسَارٍ بِقَوْلِهِ: فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ [غَافِر: 4] ، وَامْتَدَّ الْكَلَامُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُجَادِلِينَ وَتَمْثِيلِ حَالِهِمْ بِحَالِ أَمْثَالِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي آلَ أَمْرُهَا إِلَى خَيْبَةٍ وَاضْمِحْلَالٍ فِي الدُّنْيَا وَإِلَى عَذَابٍ دَائِمٍ فِي الْآخِرَةِ وَلَمَّا اسْتَوْفَى الْغَرَضُ مُقْتَضَاهُ مِنْ إِطْنَابِ الْبَيَانِ بَيَّنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقِبَهُ أَنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الدُّنْيَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [غَافِر: 77] ."
وَقَدْ عُلِمَ مِنْ فِعْلِ النَّصْرِ أَنَّ هُنَالِكَ فَرِيقًا مَنْصُورًا عَلَيْهِمُ الرُّسُلُ وَالْمُؤْمِنُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمِنَ الْمُتَعَيَّنِ أَنَّهُمُ الْفَرِيقُ الْمُعَانِدُ لِلرُّسُلِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، فَنَصْرُ الرُّسُلِ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا بِإِظْهَارِهِمْ عَلَيْهِمْ وَإِبَادَتِهِمْ، وَفِي الْآخِرَةِ بِنَعِيمِ الْجَنَّةِ لَهُمْ وَعَذَابِ النَّارِ لِأَعْدَائِهِمْ.
وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: لَنَنْصُرُ لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِحْضَارِ حَالَاتِ النَّصْرِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي وُصِفَ بَعْضهَا فِي هَذِه السُّورَةِ وَوُصِفَ بَعْضٌ آخَرُ فِي سُوَرٍ أُخْرَى تَقَدَّمَ نُزُولُهَا، وَإِلَّا فَإِنَّ نَصْرَ الرُّسُلِ الَّذِينَ سَبَقُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَضَى وَنَصْرُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَرَقَّبٌ غَيْرُ حَاصِلٍ حِينَ نُزُولِ الْآيَةِ.
(1) التفسير الحديث (4/ 377)