فهرس الكتاب

الصفحة 507 من 1150

الطغاة على مدار التاريخ كثر قدامة ومحدثين، كلهم هلكوا والباقون سوف سيهلكون لا محالة، فهل يعتبر الطغاة المعاصرين بهلاك من سبقهم أم لا يعتبرون؟

قال تعالى: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29) } [الدخان]

قال الطبري:"يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمْ تَرَكَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مِنَ الْقِبْطِ بَعْدَ مَهْلِكِهِمْ وَتَغْرِيقِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ مِنْ بَسَاتِينَ وَأَشْجَارٍ، وَهِيَ الْجَنَّاتُ، وَعُيُونٍ، يَعْنِي: وَمَنَابِعَ مَا كَانَ يَنْفَجِرُ فِي جِنَانِهِمْ وَزُرُوعٍ قَائِمَةٍ فِي مَزَارِعِهِمْ {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الشعراء: 58] يَقُولُ: وَمَوْضِعٍ كَانُوا يَقُومُونَهُ شَرِيفٌ كَرِيمٌ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى وَصْفِ اللَّهِ ذَلِكَ الْمَقَامَ بِالْكَرْمِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ وَصَفَهُ بِذَلِكَ لِشَرَفِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَقَامُ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ، قَالُوا: وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْمَنَابِرُ"

وَقَوْلُهُ: {وَنِعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 27] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأُخْرِجُوا مِنْ نِعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ مُتَفَكِّهِينَ نَاعِمِينَ

وَقَوْلُهُ: {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الدخان: 28] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَكَذَا كَمَا وَصَفْتُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ فَعَلْنَا بِهَؤُلَاءِ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكُمْ أَمْرَهُمْ، الَّذِينَ كَذَّبُوا رَسُولَنَا مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلُهُ: {وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الدخان: 28] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَأَوْرَثْنَا جَنَّاتِهِمْ وَعُيُونَهُمْ وَزُرُوعَهُمْ وَمَقَامَاتِهِمْ وَمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ عَنْهُمْ قَوْمًا آخَرِينَ بَعْدَ مَهْلِكِهِمْ، الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا [ص:41] مِنَ الْمُسْرِفِينَ} [الدخان: 30] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَمَا بَكَتْ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ غَرَّقَهُمُ اللَّهُ فِي الْبَحْرِ، وَهُمْ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ، السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، وإِنَّمَا قِيلَ: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ} [الدخان: 29] لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَلَمْ تَبْكِيَا عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَمَلٌ يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ صَالِحٌ، فَتَبْكِي عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ، وَلَا مَسْجِدٌ فِي الْأَرْضِ، فَتَبْكِي عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ، وَقَوْلُهُ: {وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان: 29] يَقُولُ: وَمَا كَانُوا مُؤَخَّرِينَ بِالْعُقُوبَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ عُوجِلُوا بِهَا إِذْ أَسْخَطُوا رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ"تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (21/ 38) "

وقال ابن كثير:"كَانَتِ الْجِنَانُ بِحَافَّتَيْ هَذَا النِّيلِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فِي الشِّقَّيْنِ جَمِيعًا، مَا بَيْنَ أَسْوَانَ إِلَى رَشِيدٍ، وَكَانَ لَهُ تِسْعَةُ خُلُجٍ: خَلِيجُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَخَلِيجُ دِمْيَاطَ، وَخَلِيجُ سَرْدُوسَ، وَخَلِيجُ مَنْفٍ، وَخَلِيجُ الْفَيُّومِ، وَخَلِيجُ الْمَنْهَى، مُتَّصِلَةٌ لَا يَنْقَطِعُ مِنْهَا شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، وَزُرُوعٌ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ كُلُّهُ مِنْ أَوَّلِ مِصْرَ إِلَى آخِرِ مَا يَبْلُغُهُ الْمَاءُ، وَكَانَتْ جَمِيعُ أَرْضِ مِصْرَ تُرْوَى مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، لِمَا قَدَّرُوا وَدَبَّرُوا مِنْ قَنَاطِرِهَا وَجُسُورِهَا وَخُلُجِهَا."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت