ثم قال: والمنزلة الثانية: ما ميز به عن سائر الخلق من تقديسه عن الأرجاس وتطهيره من الأدناس؛ ليصفو فيصطفى ويخلص فيستخلص, فيكون ذلك إنذارًا بالأمر وتنبيهًا على العاقبة.
قال: والمنزلة الثالثة: البشرى بالنبوة من ملك أخبره بها عن ربه عز وجل اختصت بشراه بالإشعار, وتجردت عن تكليف وإنذار, ولم يسمع بها وحيا, ولا أرى معها شخصًا, وإنما كان إحساسًا بالملك, اقترن بآية دلت وأمارة ظهرت, اكتفي بها عن مشاهدته واستغني بها عن نطقه؛ ليعلم أنه من أنبياء الله، فيتأهب لوحيه، ويعان بإمهاله, فيكون على البلوى أصبر وعلى النعمة أشكر.
قال: والمنزلة الرابعة: أنه نزل عليه جبريل بوحي ربه حتى رأى شخصه وسمع مناجاته, وأخبره أنه نبي الله ورسوله, واقتصر به على الإخبار, ولم يأمره بالإنذار, ليعلمها بعد البشرى عيانًا, ويقطع بها يقينًا, فتكون نفسه بها أوثق وعلمه بها أصدق, فلا يعترضه وهم ولا يخالجه ريب.
ثم قال: والمنزلة الخامسة: أنه أمر بعد النبوة بالإنذار, فصار به رسولًا، ونزل عليه القرآن بالأمر والنهي, فصار [به] مبعوثًا, ولم يؤمر بالجهر وعموم الإنذار, ليختص بمن أمنه ويشتد بمن أجابه.
ثم قال: والمنزلة السادسة: أن أمر بأن يعم بالإنذار بعد خصوصه, ويجهر بالدعاء إلى الإسلام بعد استسراره, فأنزل الله تعالى عليه قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} فجهر بالدعاء.