استقطاعها استنقاذًا لحياة شخص آخر ليس دم من مات دماغه بأقل عصمةً من دمه، وجواب هذه الشبهة مقرر في القواعد الفقهية المعلومة: وهي قاعدة (الضرر لا يُزال بالضرر) [1] ، فلا يزال ضرر المرض عن مريض بإحداث ضرر في مريض آخر، وقاعدة (الاضطرار لا يُبطل حق الغير) [2] ، وحق من مات دماغه هنا هو حفظ وصون حرمة دمه وجسده وعرضه، فبأي حق يستبيح الطبيب وغيره كشف عورة هذا المريض وتقطيع جسده وانتزاع أعضائه، ولقد قال المعصوم صلى الله عليه وسلم:"إن كسر عظم المسلم ميتًا ككسره حيًا" [3] ، فالمسلم محترمٌ حيًا وميتًا، ومع ذلك فنحن لا نقر كونه ميتًا فالأمر أغلظ والحرمة أشد وحقن الدم وعصمته أولى، وكون الآخر مضطرًا لا يرفع شيئًا من هذه الحقوق، بل إن من أُكره على قتل غيره استنقاذًا لحياته هو لا يجوز له قتل الغير لأن حرمة الغير لست بأقل من حرمته، وعصمة دم الغير ليست بأقل من عصمة دمه، قال الإمام ابن حزم رحمه الله:"... والإكراه على الفعل ينقسم قسمين: أحدهما كل ما تبيحه الضرورة كالأكل والشرب، فهذا يبيحه الإكراه لأن الإكراه ضرورة فمن أُكره على شيء من هذا فلا شيء عليه لأنه أتى مباحًا له إتيانه، والثاني ما لا تبيحه الضرورة كالقتل والجراح والضرب وإفساد المال، فهذا لا يبيحه الإكراه فمن أكره على شيء من ذلك لزمه القود والضمان لأنه أتى محرمًا عليه إتيانه" [4] ، فكون شخصٍ ما مضطرًا ومحتاجًا لزراعة قلب أو رئة أو كبد لا يبيح الإجهاز على مسلمٍ معصوم الدم باستقطاع أعضائه بحجة أنه ميت الدماغ، فليتأمل هذا جيدًا كل من أراد أن يحير جوابًا للمسألة بين يدي الديان.
4 -الشبهة الرابعة: الاعتذار باليأس من المرض: ومدار هذه الشبهة حول عدم رجاء شفاء المريض ميت الدماغ، أعني من جهة الأسباب، وجواب هذه الشبهة من جهتين أولهما أن عدم رجاء برء المرض لا يبيح استعجال الموت ومباشرة
(1) القواعد الفقهية - د. محمد بكر إسماعيل - 72
(2) السابق
(3) صححه الألباني في صحيح الجامع - وأخرجه بألفاظ متقاربة أبو داود وابن ماجة وابن حبان والدارقطني والإمام أحمد
(4) المحلى - ابن حزم - 8/ 329 - 330