من هذا حاله ناجمٌ عن توهم لزوم ما لا يلزم، ونقرر أن الأحكام المترتبة على هذا القول أحكام مرتبة بغير موجب شرعي صحيح، وعليه فإن من تعطل دماغه أو جذع دماغه تعطلًا نهائيًا إلى غير رجعة لا يعتبر ميتًا شرعًا بمجرد ذلك، كما سنحرره لاحقًا وعليه لا يصح أن يُرتب على هذا التشخيص أي من الأحكام المرتبة على الحكم بالموت شرعًا، كما لا يعتبر مبيحًا لنزع أعضائه الحيوية [1] عند من يرى جواز ذلك من الأموات دون الأحياء، ولئن بلغ بنا النزاع هذا المبلغ من الافتراق فقد آن أوان رد النزاع إلى الحكم الفصل في المسألة إن شاء الله تعالى.
إن الحكم بالموت حكم شرعي تنبني عليه مسائل شرعية كثيرة، وتترتب عليها حقوق وواجبات شرعية، وحيث إن النزاع حول الحكم بالموت على من تعطل دماغه إلى غير رجعة هو في حقيقته نزاع حول مسألة شرعية، فإننا نرد هذا النزاع إلى حيث أمرنا الله تعالى حيث قال:"يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا" [2] ، وعليه فإنه لا يعنينا في هذا المقام تعريف الإغريق للموت، ولا مفهوم الفلاسفة حول قيمة الحياة، ولا الحكم الطبي المجرد [3] عن إطار الشرع وأصوله، وإنما يعنينا شيء واحد فقط ألا وهو النظر في النصوص والأدلة الشرعية لفض النزاع الذي حررناه آنفًا، ولسوف أحشد فيما يلي ما تيسر من نصوص وأدلة شرعية إضافة إلى الأدلة والشواهد العقلية طالما كانت تابعة للشرع لا حاكمة عليه، وسوف يكون مورد هذه الأدلة نقض دعوى المعارِض بتعلق حكم الموت على
(1) كالقلب والكبد والرئتين فهذه لا يجوز أخذها من حي لغرسها في آخر حتى عند من يرى جواز نقل الأعضاء لأن المأخوذ منه يهلك كما لا يخفى
(2) سورة النساء - آية 59
(3) أما عرف الأطباء وعرف أهل الفن فمحتكم إليه فيما اعتبر الشرع العرف ضابطًا فيه