الصفحة 53 من 59

فصل: توجيه التعامل مع حالات موت الدماغ:

بعد أن قررنا بالأدلة المستفيضة بطلان الحكم بالموت شرعًا على من أصيب بموت الدماغ، تبقى مسألة التعامل مع هذه الحالات التي بدأت تثقل كاهل المجتمعات على شتى الصعد الأخلاقية والاجتماعية والطبية والاقتصادية، بحيث أصبح من اللازم لنا كمسلمين أن نضع ضوابط عامة للتعامل مع هذه الحالات تندرج تحت المقاصد العامة للشريعة من جهة، وتراعي مصالح الفرد والجماعة من جهة أخرى، وهذا الفصل محاولة جادة لتقديم أنموذج عملي للتعامل مع هذه الحالات يراعي ما تقدم بإذن الله تعالى.

بدايةً نقول إن صورة المسألة تتمثل في مريض مصاب بما اصطلح عليه موت الدماغ (أو موت جذع الدماغ) وحقيقته تلف دائم في الدماغ تتعطل بسببه الوظائف الدماغية لا سيما الحيوية منها، وهي حالات لا يُرجى برؤها في الأعم الغالب، والغالب كالمحقق شرعًا وعرفًا، فلا إشكال في هذه الصورة، ثم إن هذا المريض يكون عادة معتمدًا - بعد الله تعالى - على جهاز التنفس الصناعي وغيره من الأجهزة والأدوية التي تحافظ بإذن الله على وظائف الجسم الحيوية، بحيث إن نزع هذه الأجهزة وبالتحديد جهاز التنفس الصناعي يؤدي في الغالب إلى تعطل وظيفة التنفس عند المريض وبالتالي موته بالمباشرة. وإذا تقرر معنا أن من أصيب بموت الدماغ لا يزال حيًا شرعًا، تمحض أن أي فعل يفضي إلى الموت بالمباشرة ممنوعٌ شرعًا، شأنه شأن أي مريض، وعليه لا يجوز نزع أجهزة التنفس الصناعي عن هذا المريض، علمًا بأنه قد يبقى على هذه الحالة أيامًا بل أسابيع، فهل يبقى الحال هكذا إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا؟ وما هي الصيغة المقترحة للتعامل مع هذه الحالات؟

إن التعامل مع حالات موت الدماغ يحتاج إلى التفريق بين أمرين قد يلتبس أحدهما بالآخر؛ أولهما ترك العلاج ابتداءًا والثاني رفع العلاج بعد تعاطيه وتعلق حياة المريص به؛ وما يهمنا هنا على وجه الخصوص هو جهاز التنفس الصناعي إذ أن ترك تعاطيه ابتداءًا شيء، ورفعه بعد تعاطيه وتعلق حياة المريض به شيء آخر، فالأول جائز والثاني غير جائز، ولسائل أن يسأل: من أين لنا هذا التفريق؟ وله أن يسمع الجواب وهو أن هذا التفريق أتينا به من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت