أسبابه كما تقدم في الأدلة من حديث الذي نكأ جرحه، وثانيهما أن هذه العلة إن صلحت في الاعتبار وإيجاب التصرف بناء عليها لفتح ذلك بابًا عظيمًا من المفاسد إذ كم من الأمراض المزمنة التي لا يرجى برؤها ولا شفاؤها وهي دون موت الدماغ، فهلا أبحنا الإجهاز على هؤلاء برفع أجهزة التنفس عنهم وباستقطاع أعضائهم (كما يُفعل بموتى الدماغ) طردًا لهذه العلة؟ لا شك أن هذا قول باطل، فكون المرض لا يرجى برؤه شيء، وهذا محض ابتلاء من الله تعالى، وأما مباشرة الأسباب المفضية للموت فشيء آخر، وهو شيء بعيد كل البعد عن مقاصد الشريعة بحفظ الأنفس وعصمتها.
5 -الشبهة الخامسة: الاعتذار بالتكلفة المادية: والحقيقة إن هذه المسألة بحاجة إلى نظر وتحرير، وصورة المسألة أن التكاليف العلاجية للمصابين بموت الدماغ باهظة جدًا بسبب ما يحتاج إليه من أجهزة وعاملين متخصصين في وحدة العناية المركزة مما قد تصل معه المصاريف إلى عشرات بل مئات الألوف، وذلك في مقابل معالجة غير مجدية من جهة شفاء المرض وبرئه. فليس من المصلحة وليس من المجدي هدر هذه الأموال الطائلة من أجل حالات فردية في حين أن إنفاق هذه الأموال في مصارف صحية أخرى يعود على باقي الأفراد والمجتمع بفوائد كثيرة ملموسة لا يمكن إنكارها، كأن تنفق في برامج الرعاية الأولية وعلاجات الأمراض السارية القابلة للشفاء بإذن الله ونحو ذلك. وجواب هذه الشبهة أنها خارجة عن محل النزاع، فمحل النزاع هو كون موت الدماغ مرادفًا للحكم بالموت شرعًا، أما مسألة الجدوى الاقتصادية للعلاج فسنعرج عليها إن شاء الله تعالى في الفصل التالي عند الكلام على التعامل مع حالات موت الدماغ.
بعد ما تقدم من بيان للأدلة على بطلان الحكم بالموت شرعًا على من أصيب بموت الدماغ، ورد الشبهات المتعلقة بالمسألة، نرى أنه لا بد من تقديم تصور عملي للتعامل مع هذه الحالات يكون موافقًا للشرع بإذن الله تعالى، وهذا ما أعرضه في الفصل التالي.