الصفحة 42 من 59

معتبرة شرعًا، وإلا لو تكن هذه الحياة غير المستقرة معتبرة وكان حكم الموت مستقرًا لما جاز أكلها، لأن الميتة إذا ذُبحت بعد موتها لم يجز أكلها قولًا واحدًا، ولهذه الحياة غير المستقرة علامات منها الحركة ومنها طرف العين ومنها سيلان الدم - أي جريانه، ولقد سُئل مالك رحمه الله عن شاةٍ تردَّت فتكسرت فأدركها صاحبها فذبحها، فسال الدم منها ولم تتحرك، فقال مالك: إذا كان ذبحها ونَفَسُها يجري وهي تَطرف فليأكلها" [1] ، قال الزرقاني رحمه الله في الشرح: (فقال مالك إن كان ذبحها ونفسُها) أي دمها (يجري) أي يسيل، سُمي الدم نفسًا لأن النفس التي هي اسم لجملة الحيوان قوامها بالدم، (وهي تطرف) تحرك بصرها، يقال طرف البصر كضرب: تحرك، وطرْف العين نظرها، (فليأكلها) لدلالة ذلك على الحياة فعمل فيها الذبح" [2] ، فهذه العلامات أعني الحركة وطرف العين وجريان الدم وسيلانه علامات على وجود الحياة غير المستقرة والتي تقرر أنها معتبرة شرعًا، وإذا نظرنا إلى المريض المصاب بموت الدماغ وجدنا أن حياته غير مستقرة تعتمد - بعد الله تعالى - على أجهزة التنفس الصناعية ولكن فيه من علامات الحياة جريان الدم وسيلانه وحركة أطرافه بالتنبيه الحسي المؤلم (ويعزو الأطباء هذه الحركة لمنعسكات في الحبل الشوكي) ونحوها، فكما أن الشرع اعتبر أن حياة الذبيحة غير المستقرة حياة معتبرة شرعًا، فكذلك نقول إن حياة الشخص الذي مرض أو جُرح إلى الحد الذي كادت تزهق روحه كما هو حال من مات دماغه هي حياة غير مستقرة ولكنها معتبرة شرعًا، فإذا ثبت هذا ظهر بطلان القول بأن من تحقق موت دماغه هو ميتٌ شرعًا، ولا شك في أن الحكم بالحياة المبني على القياس أسعد حظًا بالدليل وأكثر موافقةٌ للأصول، والله تعالى أعلم.

41 -دليل سد الذرائع: لقد أصبح الحكم بالموت شرعًا على من مات دماغه كما ورد في قرار عمَّان وسيلةً لاستباحة استقطاع الأعضاء الحيوية التي لا يجوز استقطاعها في الأصل، حتى عند من يرى جواز استقطاع الأعضاء من إنسان لزرعها في

(1) موطأ مالك - 2/ 490

(2) شرح الزرقاني - 3/ 110

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت