الضمان في ذمته ونحو ذلك، وعند النظر في هذه الأمثلة لا يملك أحدٌ إلا أن يجيب بنعم فالحقوق التي ذكرناها ثابتة للمريض الذي حكم بموت دماغه ولا أعلم أحدًا من أهل العلم يقول بعكس ذلك، فلو أن مريضًا ميت دماغه وله مال تنفق منه زوجته وأولاده وله أنساب يرثون لو مات ليس لهم حق في منع الزوجة والأولاد من هذه النفقة لأنها لم تتمحض إرثًا بعد، ولو أن شخصًا أوقف مالًا لنفع المرضى الزمنى الذين لا يرجى برؤهم لدخل المريض الميت دماغيًا في هذا الوصف ولاستحق الانتفاع من هذا الوقف، والأمثلة كثيرة تدل على ثبوت أهلية الوجوب للمريض المحكوم بموت دماغه ولم تتحقق وفاته بعد، وثبوت هذه الأهلية لا يكون إلا للأحياء، فدل هذا على بطلان القول بموت من مات دماغه، لأن لازم هذا القول القول بانعدام أهلية الوجوب وبالتالي بطلان ثبوت الحقوق المالية للمريض أو عليه وهذا باطل، ولولا خشية الإطالة لذكرت من الأمثلة الشيء الكثير، ولكن فيما تقدم كفاية لمن أراد الوقوف على الصواب، [1] فتأمل.
40 -دليل القياس على مسألة الحياة غير المستقرة، فعن كعب بن مالك يحدث عن أبيه أنه كانت لهم غنم ترعى بسلع، فأبصرت جاريةٌ لنا بشاةٍ من غنمنا موتا، فكسرت حجرًا فذبحتها به، فقال لهم: لا تأكلوا حتى أسأل النبي صلى الله عليه وسلم أو أُرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من يسأله، وأنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذاك أو أرسل فأمره بأكلها" [2] ، فهذه المسألة تُعرف عند أهل العلم بمسألة الحياة غير المستقرة، ووجه الدلالة من الحديث أن هذه الشاة التي أدركتها الجارية وهي موتى [3] ليست فيها حياةٌ مستقرة، فلو تركت وشأنها ماتت في دقائق يسيرة كما يدل الحديث من إسراع الجارية بذبحها بما تيسر لديها لتدركها قبل تمام زهوقها، فلما أباح النبي صلى الله عليه وسلم أكل هذه الذبيحة دل على أن هذه الحياة غير المستقرة حياةٌ"
(1) ولقد أثبت الشرع للجنين الذي لم تكتمل حياته بعد أهلية وجوب ناقصة تثبت له بها الحقوق لا عليه، فكيف إذًا بالإنسان مكتمل الحياة الذي طرأ عليه المرض، أليس استصحاب الحكم بأهليته أولى، فتأمل.
(2) صحيح البخاري - كتاب الوكالة - باب إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة تموت - حديث 2181
(3) موتى هنا أي أوشكت على الموت، كما هو معروف في لغة العرب حيث يقال: طلع الفجر وهو يوشك أن يطلع، وأفطر الصائم وهو يوشك على الفطر، ولما يطلع الفجر بعد أو يفطر الصائم بعد ...