الصفحة 30 من 59

المريض الذي لم تتيقن وفاته لا يزال معصوم الدم وهو داخل في عموم النص الذي يحكم بأن النفس بالنفس، فإن هذا الحكم يستلزم أن المريض كان حيًا قولًا واحدًا إذ لا يقاد الحي بالميت، وهذا يدفع قول من يقول بأن ميت الدماغ ميتٌ شرعًا، وإما أن لا يُحكم بالقصاص وتهدر جناية هذا المعتدي عمدًا عدوانًا وهذا قولٌ ظاهر البطلان ولم أجد أحدًا من أهل العلم قال به، ولأنه تخصيص لحكم الآية بدون مخصص فالآية لم تفرق بين حُر وحر، ولا بين نفس ونفس إلا ما دلت السنة الصحيحة على استثنائه كعدم قتل المسلم بالكافر ونحوه، وليس ثمة دليل شرعي على أن موت الدماغ مستثنى من عموم النص، فإذا بطل هذا القول اللازم لمن يفتي بموت من مات دماغه، فقد بطل الملزوم وهو الحكم بموت المصاب بموت الدماغ، وهذا هو المطلوب، فتأمل.

27 -دليل حق القَوَد للغير: ودليله قوله تعالى:"وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس" [1] ، ووجه الدلالة هنا عكس ما ذكرناه في الدليل السابق رقم (26) ، وصورة المسألة ما يلي: إذا كان المصاب بموت الدماغ قد قتل غيره عمدًا عدوانًا، وتعلق به حق قَوَد لأولياء المقتول لجناية نفس، ولم يكن الأولياء قد استوفوا حقهم في القصاص، فإذا حكم من يقول إن موت الدماغ موتٌ شرعًا بموت هذا المصاب الذي عليه الحق فقد فات محل القَوَد بمجرد ثبوت تشخيص موت الدماغ، ولكن يناقض هذا أن وقت الوفاة المثبت طبيًا لا يكون إلا بعد توقف كل علامات الحياة الأخرى كلها وبعد رفع جهاز التنفس الاصطناعي كما بينا في موضع آخر وكما هو مستفيض معروف عند الأطباء، وعليه فإن محل القود لا يزال موجودًا طالما بقي المريض على جهاز التنفس الاصطناعي، وواضح ما في هذه الحالة من اضطراب تضيع به حقوق الناس، ثم إن صاحب الحق في القصاص لو أزهق حياة المحكوم بموت دماغه فلا بد من أحد حالين؛ أحدهما أن يقال إنه استوفى حقه (ويبقى للقاضي تعزيره إن لم يكن بإذن الإمام أو من ينوب محله) والثاني أن يقال إنه لم يستوف حقه؛ فإن قيل بالأول فهذا

(1) سورة المائدة - آية 45

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت