الصفحة 24 من 59

بمصلحة الغير وليست مصلحة الغير بأولى من مصلحة الميت، خلافًا لدرء المفسدة التي يقدم فيها الحي على الميت، والوجه الثاني أن هذا العذر - وهو الانتظار إلى حين استقطاع الأعضاء الحيوية التي لا يعيش الإنسان بدونها - يدور على اعتبار موت المريض لأنه لا يجوز أخذ هذه الأعضاء (كالقلب والكبد ونحوهما) من إنسان حي عند من يرى جواز استقطاع أعضاء الإنسان للزرع، فيكون هذا من باب رد المختلف فيه إلى المختلف فيه وهو غير ملزمٍ لنا، فبطل استدلالهم بالعذر الشرعي من وجهين، وإذا بطل العذر بطل الاعتذار، وعاد الأمر إلى ما كنا فيه من وجود التناقض بين الفتوى والتطبيق عند من يفتي بموت من مات دماغه، فتأمل.

19 -حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينا رجلٌ واقفٌ مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة، إذ وقع عن راحلته فوقصته أو قال فأوقصته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تمسوه طيبًا، ولا تخمروا رأسه، ولا تحنطوه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا" [1] ، وحديث أم عطية الأنصارية رضي الله عنها قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته فقال:"اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور" [2] ، ووجه الدلالة هنا كالدليل السابق، فهنا أمرٌ متوجه إلى الأحياء بوجوب غسل الميت، وهذا الأمر على الوجوب والفور في الأصل، ولئن اعتذر القائلون بموت من مات دماغه عن الإسراع في الجنازة للعذر الذي ذكرناه وفندناه في الدليل السابق رقم (18) ، فإننا نقول هنا إن الانتظار بالمريض إلى حين استقطاع أعضائه عند من يرى جواز ذلك [3] ، لا يمنع من تغسيل الميت (على قول من يحكم بموت من مات دماغه) ، فليس من سبب طبي يمنع من ذلك، ولئن أُخرت باقي حقوق الميت للضرورة فإن الضرورة تقدر بقدرها، فما اضطررنا لتأخيره كالتكفين والجنازة والدفن أخرناه، وما لم نضطر

(1) صحيح البخاري - باب المحرم يموت بعرفة - حديث 1752

(2) صحيح البخاري - باب غسل الميت - حديث 1195

(3) ولست ممن يراه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت