والتذرع بذلك إلى استباحة استقطاع أعضاء حيوية من جسده كقلبه وكليتيه وكبده ورئتيه ثم رفع أجهزة التنفس والإنعاش عنه بعد ذلك ليموت حقيقةً، إن هذا كله استباحة لحرمة دم هذا المسلم وانتهاك لعصمته، وهذه الحرمة والعصمة هي الأصل في المسلم وهي مستصحبة عند المغمى عليه ولا يخرج من مات دماغه عن ذلك مطلقًا، ولا دليل على إباحة دم المسلم الذي مات دماغه وزوال عصمة دمه إلا دعوى موته عند القائلين بذلك [1] ، وهذه الأعضاء الحيوية أي القلب والكبد والرئتين والكليتين معًا لا يجوز استقطاعها من المسلم الحي لزراعتها في شخص آخر حتى عند من يرون جواز"التبرع بالأعضاء" [2] ، فأصبح الحكم بالموت شرعًا على من مات دماغه ذريعةً إلى استباحة ما حرمه الله تعالى، وهذا في الحقيقة هو سر ابتداع وصف موت الدماغ كذريعة قانونية لاستقطاع أعضاء حيوية من أحياء معصومي الدم، وهذه المآلات الفاسدة تنطق بل تصرخ ببطلان هذا الحكم أعني بطلان الحكم على من مات دماغه بالموت شرعًا، لأن الشرع لا يأتي بالباطل، ولا يمكن أن يؤدي حكم شرعي صحيح في نفس الأمر إلى مآل باطلٍ شرعًا وإلا كان ذلك تناقضًا في الشرع، فتأمل.
17 -حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول:"مرضت مرضًا فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأبو بكر وهما ماشيان، فوجداني أغمي علي، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ثم صب وضوءه علي فأفقت، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله كيف أصنع في مالي؟ كيف أقضي في مالي؟ فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث" [3] ، وقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله لهذا الحديث بقوله (باب عيادة المغمى عليه) ، قال الإمام العيني في شرح الحديث:"أي هذا باب في بيان عيادة المغمى عليه - مِن أغمي بضم الهمزة - من الإغماء وهو الغشي، وهو تعطل جل القوى المحركة والحساسة كضعف القلب واجتماع الروح كله إليه واستفراغه وتخلله، وقيل فائدة هذه الترجمة أن لا يعتقد أن عيادة المغمى عليه ساقطة الفائدة لكونه لا يعلم"
(1) وسياتي لاحقًا أن المسلم الميت له من الحرمة ما للحي ولكن ذكرنا هذا على سبيل التنزل مع الخصم
(2) ولهذا الأمر مجال آخر عسى أن ييسر الله تعالى دراسته
(3) صحيح البخاري - كتاب المرضى - باب عيادة المغمى عليه - حديث 5327