خطأً، فمن أصيب بموت الدماغ يبقى على أجهزة الإنعاش وفي قسم العناية المركزة مدةً من الزمن، وهو في هذا كله تحت العناية الطبية وعرضة لشتى أنواع التطبيب والعلاج والممارسات الطبية مع ما في ذلك من احتمال وقوع الخطأ الطبي، فلو أن من حكم بموت دماغه تعرض لخطأ طبي قاتل (كأن يحقن بجرعة زائدة من البوتاسيوم أو المورفين خطأً) فصورة المسألة هنا صورة قتل خطأ في الأصل، فإما أن يُقال إن هذا قتلٌ خطأ وتترتب عليه الدية والكفارة أو لا؛ فإن قيل بالأول وهو ما يقتضيه عموم الحديث كان ناقضًا للحكم بموت من مات دماغه، إذ لا يتصور وقوع جناية القتل على ميت، وإذا قيل بالثاني وهو لازم قول من يحكم بالموت على من مات دماغه فلا دية ولا كفارة، ويكون الخطأ الطبي هدر، وهذا معارضٌ لعموم الحكم بالتضمين على من أخطأ في المعالجة الطبية، فضلًا عما فيه من تضييع حقوق المريض وأوليائه، وواضح أن القول الثاني بيِّن البطلان والفساد، والحاصل أن القول بإسقاط حقوق الميت دماغيًا على من قتله خطأً قولٌ فاسد، وإذا فسد اللازم فسد الملزوم (وهو الحكم بالموت على من مات دماغه) وهو المراد، فتأمل هذا الموضع فإنه دقيقٌ جدًا.
16 -دليل سد الذريعة: جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم بمنى:"أتدرون أي يوم هذا؟"قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:"فإن هذا يومٌ حرام، أفتدرون أي بلدٍ هذا؟"قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:"بلدٌ حرام، أتدرون أي شهر هذا؟"قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:"شهرٌ حرام"،قال:"فإن الله حرَّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" [1] ، ووجه الدلالة أن الشرع قد حرَّم دم المسلم وعصمه، فلا تجوز استباحة دم المسلم إلا بحق الإسلام، وإن الحكم على من مات دماغه بالموت وقلبه لا يزال ينبض، والدم لا يزال يجري طريًا في عروقه، والنَفَس لا يزال يجري فيه ولو بفعل الجهاز، وكبده لا تزال رطبةً محلًا لاحتساب الأجر، والرزق لا يزال يجري عليه غذاءً وشرابًا ودواءً، إن الحكم على من هذه صفته بالموت
(1) صحيح البخاري - كتاب الأدب - حديث 5696