الصفحة 16 من 59

إلا وقد انقطع رزقه في الدنيا، فالرزق إنما يكون للأحياء، وأنت تشاهد المريض في حالة موت الدماغ وهو يُغذى بالسوائل المغذية بل وبالغذاء المحضر بشكله السائل والذي يُعطى عبر الأنبوب المعدي أو عبر الوريد وجسده يتقبل الغذاء ويستقلبه [1] ، فهذا المريض يُرزق والرزق لا يكون بعد الموت، فلو كان ميتًا كما يزعم أصحاب القول المعارض لتناقض دليل الشرع الذي يدل على أن الرزق يُستوفي في الحياة وينقطع بالموت، وحاشا دليل الشرع أن ينخرم، وحاصل هذا أن الذي يُرزق الماء والغذاء حي لم يمت، فتأمل هذا الدليل فإنه دقيق.

10 -حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كان فيمن كان قبلكم رجلٌ به جرح فجزِع، فأخذ سكينًا فحزَّ بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى:"بادرني عبدي بنفسه حرَّمتُ عليه الجنة"" [2] ، وفي رواية مسلم:"إن رجلًا ممن كان قبلكم خرجت به قرحة فلما آذته انتزع سهمًا من كنانته فنكأها فلم يرقأ الدم حتى مات" [3] ، والشاهد هنا من الدقة بمكان، فهذا الرجل كانت به جراحة تتهدد حياته، وكانت القرحة التي تسد هذا الجرح هي المانعة من النزيف القاتل، وهذا الوصف بالإضافة إلى قول الله تعالى (بادرني عبدي بنفسه) يدل على أن هذا الرجل كان مشرفًا على الموت، وأن حياته كانت معلقةً على سببٍ ماديٍ دقيقٍ غير مستقر، هذا بالإضافة إلى شدة ما عاناه من الألم الذي دفعه إلى استعجال الموت [4] ، فلما نكأ هذا الجرح حصل النزف القاتل وترجحت كفة الموت، ومناط الحكم هنا هو مبادرة العبد إلى إزالة السبب الذي تعلقت به الحياة في هذا الوضع الحرج (وهي القرحة التي كانت تسد النزيف) ، وعليه نُخرِّج مسألة الميت دماغيًا الذي تعتمد حياته في وضعها الحرج على هذه الأجهزة التي تقوم بوظيفة التنفس، بحيث يكون وقف هذه الأجهزة من جنس فعل الرجل الذي نكأ الجرح، إذ لا يلبث أن يموت في الغالب

(1) واستقلاب الغذاء معناه معالجة الجسد له بحيث يتحول من صيغته التي أخذها الجسد إلى عناصره التي تمكن الجسد من الاستفادة منه، وهذا ما لا يتم في الجيف والأجساد الميتة، فتأمل.

(2) صحيح البخاري - كتاب الأنبياء - باب ما ذُكر عن بني إسرائيل - حديث 3276

(3) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه - حديث 113

(4) وفي هذا رد صريح على التذرع بشبهة رفع المعاناة عن هؤلاء المرضى، هذا إذا سلمت دعوى المعاناة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت