الصفحة 15 من 59

بالموت إلا من ثلاث [1] ليس واحدًا منها متوافر في من مات دماغه، ولا شك أن من مات دماغه ينطبق عليه وصف المرض المُقعِد عن العمل وهذا مما لا يخالف فيه إلا ممارٍ مكابر، فإذا كان الحال كذلك فإن جريان القلم بالأجر على من مرض بموت الدماغ دليل على عدم موته، لأن من مات انقطع عمله كما هو ظاهر ومعلوم من الدين، ولا سبيل إلى إبطال دلالة هذا الدليل إلا بادعاء أن من مات دماغه - على تفاوت بين أهل الطب في ضبط هذا الوصف - أنه انقطع عمله وأنه لا يؤجر على مرضه، وأنه مستثنى من عموم لفظ حديث أبي موسى رضي الله عنه، وهذه الدعوى إن صدرت فليست إلا محض افتئات على الشرع وتقحم للغيب وتحكُّمٍ في النص، وتضييق لفضل الله تعالى وتحجير لواسع رحمته. والحاصل في هذا الدليل أننا نسأل الخصم: هل من مات دماغه يجري القلم بما كان يعمل من عمل وهو صحيح مقيم أم لا؟ فلا بد من نعم أو لا؛ فإن أجابوا بنعم دل ذلك حتمًا على أن من مات دماغه حي، لأن الميت لا عمل له إلا ما استثناه النص وهذا ليس منه، وإن أجابوا بلا كان تحكمًا محضًا وقلنا لهم أين الدليل على استثناء من مات دماغه من عموم حديث:"إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا"، ولا دليل لهم على الاستثناء إلا دعوى الموت وهذا مردود لأنه من باب رد المختلف فيه إلى المختلف فيه وهو غير ملزم لنا، وهذا الدليل قوي جدًا في نقض دعوى موت من مات دماغه، فتأمل.

9 -عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم" [2] وموضع الشاهد في قوله صلى الله عليه وسلم (فإن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها) ، فهذا خبرٌ عن الصادق المعصوم صلوات الله وسلامه عليه يخبر عن ارتباط الرزق بالحياة واستيفاؤه مع حلول الأجل، فالرزق مكتوب على حد الحياة وينقطع بالموت، فليس من ميت

(1) كما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح

(2) سنن ابن ماجة - كتاب التجارات - باب الاقتصاد في المعيشة - حديث 2144، وصححه الألباني رحمه الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت