العبد المؤمن حيث اجتمعت روحه عند مخرجها بسهوله وسلاسة، ووجه الشاهد أن إمكان تفرق الروح أوانحيازها في الجسد دليل على أن تلف جزء من الجسد بحيث لا يعود صالحًا لتعلق الروح به لا يستلزم مفارقة الروح لكامل الجسد، وفي مسألتنا فلو فرض موت الدماغ فإن ذلك لا يستلزم مفارقة الروح لكامل الجسد، وليس هناك ما يمنع من دوام تعلق الروح بالجسد منحازة لغيره من الأعضاء، وقد دل دليل الشرع على إمكان ذلك ولا مانع له في العقل، وبهذا يبطل التلازم الموهوم بين تلف الدماغ والموت، فتأمل.
7 -في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"في كل كبد رطبة أجر" [1] وهذا الحديث جاء في سقيا البهائم فيدخل فيه الإنسان من باب أَولى، والشاهد فيه أن أجر السقي إنما يكون للأحياء، فليس لسقي الأموات معنى يتعلق به الأجر، ومعلوم أن المريض المستوفي لمعايير موت الدماغ لا تزال أعضاؤه رطبة حية - وهذا ما لا نعلم فيه نزاعًا - ومن هذه الأعضاء الكبد، فدل الحديث على أن من كان كبده حيًا رطبًا فإنه محلٌ لتعلق حصول الأجر بالإحسان إليه بالسقيا، وهذا لا يكون إلا في الأحياء، ولو قال قائل إن التعبير في الحديث تعبير مجازي فإن هذا المجاز هو من قبيل التعبير بالجزء عن الكل لأن الكبد الرطبة لا تكون إلا في الجسد الحي، بدليل أن السقي وقع على الجسد (وهو في الحديث الكلب الذي أشرف على الهلاك عطشًا) ولم يقع السقي على الكبد وحدها، وعلى أي حال فإن المريض الميت دماغه لا يزال الأطباء الذين يقولون بموت دماغه يمدونه بالماء والغذاء ولو أنهم احتسبوا الأجر على ذلك لما أنكر عليهم أحد، لا سيما وأن الحديث يشهد لهذا الاحتساب، وهذا قادحٌ في كونه ميتًا فليتأمل.
8 -حديث أبي موسى رضي الله عنها قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا" [2] ، والشاهد هنا أن المريض يُكتب له عمله وهذا يدل على عدم حلول أجله بدليل أن ابن آدم ينقطع عمله"
(1) صحيح البخاري - كتاب المساقاة - باب فضل سقي الماء - حديث 2234
(2) صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب ما يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة - حديث 2834