السؤال 43:سأل سائل من طلاب العلم:يتساءل كثير من طلاب المدارس عن حكم ترك شعر الرأس وحلقه، ويلتبس الأمر عليهم بين ما تأمرهم به المدرسة وتشدد عليهم وجوب حلق شعر الرأس كله أو المبالغة في تقصيره، وبين ما يراه الطلاب من بعض المدرسين الملتزمين -ولا نزكي على الله أحدا من تركهم لشعر رؤوسهم وعدم الأخذ منه، مع أنهم ينظفونه ويرجلونه وتعودوا على تركه.
فأقول-مستعينا بالله تعالى-: إن اتخاذ شعر الرأس سنة كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى:"هو سنة، لو نقوى عليه اتخذناه، ولكن له كلفة ومؤونة"، قال ابن القيم رحمه الله في (زاد المعاد) :"ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم حلقه إلا في نسك".
وقد تواردت الأحاديث الصحيحة المبينة لصفة شعره عليه الصلاة والسلام، جاء في (المغني) :"ويستحب أن يكون شعر الإنسان على صفة شعر النبي صلى الله عليه وسلم، إذا طال فإلى منكبيه، وإن قصره فإلى شحمة أذنيه، وإن طوله فلا بأس، ونص عليه احمد".
أقول: إن اتخاذ الشعر وتركه لا بد له من لوازم ومنها:
1-الإخلاص لله تعالى، والمتابعة لهديه صلى الله عليه وسلم لنيل الأجر والثواب.
2-أن لا يكون في اتخاذه للشعر متشبها بالنساء فيصنع به ما يصنه النساء بشعورهن من قبيل الزينة الخاصة بهن.
3-أن لا يريد به التشبه بأهل الكتاب أو بغيرهم من أهل الأوثان أو العصاة المسلمين كالفنانين من المغنين أو الممثلين أو من سار على نهجهم كالماجنين من الرياضيين في قصات شعورهم وتزيين رؤوسهم.
4-أن ينظفه، ويرجله غبا، ويستحب دهنه وتطييبه وفرقه من منتصف رأسه، فإذا طال جعله ذوائب.
أما الحلق فقد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى الكلام فيه وصنفه على أربعة أنواع، ومختصر ما قال رحمه الله تعالى-بتصرف-:
أنه إذا كان الحلق لحج أو عمرة أو للحاجة كالتداوي فهذا ثابت ومشروع بالكتاب والسنة ولا شك في جوازه أما إذا كان لغير ما تقدم فهو لا يخرج عن أن يكون أحد أمرين:
?الأمر الأول:أن يحلقه على وجه التعبد والتدين والزهد من غير حج ولا عمرة مثل أن يجعل حلق الرأس شعار أهل النسك والدين، أو من تمام الزهد والعبادة، أو يجعل من يحلق رأسه أفضل ممن لم يحلقه أو أدين أو أزهد، فقد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:"فهذه بدعة لم يأمر الله بها ولا رسوله، وليست واجبة ولا مستحبة عند أحد من أئمة الدين، ولا فعلها أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا شيوخ المسلمين المشهورين بالزهد والعبادة لا من الصحابة ولا من التابعين ولا من تابعيهم ومن بعدهم".
?الأمر الثاني: أن يحلق رأسه في غير النسك بحج أو عمرة، ولغير حاجة، وليس على سبيل التقرب و التدين، فهذا فيه قولان للعلماء:
القول الأول: الكراهية: وهو مذهب مالك وغيره ورواية عن أحمد رحمهم الله جميعا.
قال أحمد: (كانوا يكرهون ذلك) ، وحجة من ذهب إلى هذا القول أن حلق الرأس شعار أهل البدع، فإن الخوارج كانوا يحلقون رؤوسهم وقد قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم:"سيماهم التحليق"، كما أن بعض الخوارج كانوا يعدون حلق الرأس من تمام التوبة والنسك، وقد ثبت في (الصحيحين) : (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يقسم جاءه رجل عام الفتح كث اللحية محلوق) ، وجاء في (مسند الإمام أحمد) ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:"ليس منا من حلق"، قال ابن عباس: (الذي يحلق رأسه في المصر شيطان) .
القول الثاني: الإباحة: وهو المعروف عند أصحاب أبي حنيفة والشافعي، وهو رواية عن احمد أيضا، ودليلهم: ما رواه أحمد وأبو داود والنسائي، بإسناد صحيح كما قال صاحب ( منتقي الأخبار) عن ابن عمر( أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صبيا قد حلق بعض رأسه وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك، وقال:"احلقوا كله أو ذروه كله"، وأتي - صلى الله عليه وسلم- بأولاد صغار بعد ثلاث فحلق رؤوسهم.
ولأنه نهى عن القزع، والقزع حلق البعض فدل على جواز حلق الجميع، قال الشوكاني رحمه الله تعالى (في نيل الأوطار) عند الكلام على الحديث الذي أورده صاحب (المنتقى) :"وفيه دليل جواز حلق الرأس جميعه، قال الغزالي: (لا بأس به لمن أراد التنظيف، وفيه رد على من كرهه) ."
وجاء في ( المغني) :"قال حنبل: كنت أنا وأبي نحلق رؤوسنا في حياة أبي عبد الله فيرانا ونحن نحلق فلا ينهانا"، قال ابن عبد البر:"وقد اجمع العلماء على إباحة الحلق وكفى بهذا حجة."
أقول -وبالله التوفيق- هذا القول الثاني هو الذي ترجح عندي لصحة رواياته وصراحتها، والله أعلم.
أما منع المدرسة لعموم الطلاب باتخاذ شعر الرأس، فإن هذا الإجراء هو من سبيل سد الذرائع ودرء المفاسد، وذلك لما لاحظته المدرسة من أن طائفة ليست قليلة من الطلاب تتخذ الشعر ليس من أجل إتباع السنة، بل من أجل المحاكاة والمشابهة للمشاهير من الفنانين الماجنين والرياضيين، سواء كانوا مسلمين أو غيرهم، وذلك بعمل شعر الرأس على نمط يشابه رؤوس هؤلاء المشاهير تعبيرا عن حبهم والإعجاب بهم وبما هم عليه، كما أن ضرر هؤلاء الطلاب المقلدين لا يقتصر على أنفسهم فحسب، بل يمتد إلى زملائهم في المدرسة فيؤثرون فيهم بهذا السلوك المبهرج مما يفضي إلى انجراف ضعاف النفوس من الطلاب في زمرتهم خاصة وأنهم وفي هذا السن الذي يغلب فيه على صاحبه تقلب الأمزجة، وتعدد الرغبات، وسرعة التأثر، واتخاذ القرارات، فتجد أن الطالب في هذه السن يتأثر بزملائه في المدرسة أكثر من تأثره بدوافع مدرسية أو حتى والديه!! هذا والله أعلم.
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن تبع هداه.
أما بعد، فإني أؤيد أشد التأييد النص المذكور في ذيل الفتوى، لأنه مستند إلى قاعدة شرعية هامة، ألا وهي: (درء المفاسد قبل جلب المصالح) ، فكيف إذا لم يكن هناك أية مصلحة سوى التشبه بالكفار أو الفساق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح:"...ومن تشبه بقوم فهو منهم"، وفي معناه أحاديث كثيرة، في أبواب متنوعة في الشريعة، كنت ذكرت منها نحو أربعين حديثا في كتابي (حجاب المرأة المسلمة) الذي طبعته حديثا بعنوان (جلباب المرأة المسلمة) ولذلك، فإني أفتي دائما بأنه لا يجوز للشباب والطلاب أن يوفروا شعور رؤوسهم، وإنما عليهم الحلق أو التقصير، كما عليه عامة المسلمين، وبالله التوفيق.
وليس لأحد أن يقول اليوم بكراهة الحلق، لأنه لا دليل إلا أنه شعار الخوارج، وهم اليوم-ومنهم الإباضية-لا يلتزمون فيما أعلم، فإن وجدوا في بلد ما يلتزمون بهن فعلى أهل البلد مخالفتهم لما تقدم، وإلا فالأصل الإباحة، كما حديث ابن عمر الذي صححه في (المنتقى) وقد فاته أنه رواه مسلم أيضا، كما كنت خرجته في (الأحاديث الصحيحة) .
وأما حديث"ليس منا من حلق"فهو مختصر من حديث أبي موسى الأشعري بلفظ"ليس منا من حلق، وخرق، وسلق"، هكذا رواه جمع الأئمة، منهم الإمام أحمد في (مسنده) (4/411) ، والشيخان في (صحيحيهما) بنحوه، وترجمة البخاري في (الصحيح) بقوله:"باب ما ينهى عن الحلق للمصيبة"، فالحديث إذن خاص بمن يحلق إعلانا لحزنه بمناسبة وفاة قريبه، المتضمن الاعتراض على قضاء الله تعالى بقرينة قوله:"وسلق"أي رفع صوته في النياحة.
ويؤكد ذلك مناسبة رواية أبي موسى للحديث في مرض موته في (الصحيحين) ، وهو مخرج في (الإرواء) (رقم771) ، وفي (أحكام الجنائز) ، وأما أثر ابن عباس المذكور في الفتوى، فلم أقف على إسناده، وما إخاله يصح، فإن صح حمل على التشبه بالخوارج لما تقدم.
وأما القول بان توفير شعر الرأس سنة، فليس عليه دليل تقوم به الحجة، ولا يكفي في ذلك انه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه من العادات، فقد صح أيضا أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة وله أربع غدائر، كما في كتابي (مختصر الشمائل المحمدية) (35/23) ،والغدائر هي الذوائب والضفائر، فهي مجرد عادة عربية، ولا يزال عليها بعضهم في بعض البوادي،أفيقال: إن ذلك سنة أيضا ؟! كلا، فإنه لا بد في مثل هذه العادات من دليل خاص يؤيد أنها سنة تعبدية، كيف وقد سوى النبي صلى الله عليه وسلم بين الحلق وتركه في قوله:"احلقوه كله، أو ذروه كله"بل حلق رؤوس الصغار الثلاثة، كما ذكر في الفتوى، وهو حديث صحيح أيضا خرجته في كتابي (أحكام الجنائز وبدعها) (ص166) .
فليس لأحد من الشباب المبتلين بالتشبه بالكفار أو الفساق في شعورهم؛ أن يتستر بالسنة، فإنها عادة، وليست سنة عبادة، ولا سيما أن الكثيرين منهم، لا يتشبهون بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما يجب عليهم، مثل قص الشارب، وإعفاء اللحية.
{إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} .
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشه أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.