والمقصود بحصول التقدير في ليلة القدر: أن الله جل وعلا يُنبئ الملائكة ويكتب الملائكة في صحفهم ما قدر الله جل وعلا في اللوح المحفوظ أن يقع في هذه السنة؛ ولهذا قال: {فيها يُفرق} والفصل والفرق كأن فيه انفصال ذلك القدر من اللوح المحفوظ إلى الصحف التي بأيدي الملائكة، فهي ليلة قَدَرٍ وتقدير.
وقد قال جل وعلا في سورة خاصة بتلك الليلة: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ} ، هذا لتعظيمها.
(أنزلناه) : يعني اُبتدئ في إنزال القرآن في ليلة القدر، فالليلة التي نزل فيها القرآن على محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام كانت في رمضان، وكانت هي ليلة القدر من تلك السنة، وهي الليلة المباركة {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} هي ليلة القدر.
قال هنا سفيان ـ الذي هو ابن عُيينة رحمه الله، من الأئمة الكبار ـ قال: ما كان في القرآن (وما أدراك) فقد أعلمه، وما كان في القرآن أو وما قال (وما يدريك) فإنه لم يُعلمه. هذا صحيح، فإن الأدلة دلت على أن ما جاء في القرآن من قوله جل وعلا {وما أدراك} فإنه أُعلم خبره للنبي عليه الصلاة والسلام، وأما في {وما يدريك} فإنه لم يُعلم وقته أو زمنه. يريد بذلك سفيان الفرق بين قوله: {وما أدراك ما ليلة القدر} يعني في فضلها وفي زمنها ووقتها، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أُعلِمَ بذلك، وقد هم مرة أن يُعلم الصحابة فتشاجروا فرُفِعت، وأُخبر بها مرة وأُعلم ثم أُنسيها، وقال: (( رأيت أني أسجد صبيحتها في ماء وطين ) )فكانت ليلة واحد وعشرين.
وفي (وما يدريك) كقوله جل وعلا: {وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا} ، هنا (لعل الساعة تكون قريبا) متى هذا القريب؟ هل أعلمه به؟ لا، كما قال جل وعلا في الآية الأخرى: قل إنما علمها عند الله لا