منهما إنما هو دعوى وجواب.
وقد روى مسلم عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعَاوِيهِمْ، لادَّعَى نَاسُ دِمَاءَ نَاسٍ وَأَمْوَالَهُمُ، لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيهِ".
قال في"الإشراف": وإنما جعلت البينة في جانب المدعي، واليمين في جانب المدعى عليه؛ لأن البينة حجة قوية بالبراءة عن التهمة، واليمين حجة ضعيفة؛ إذ الحالف متهم في يمينه بالكذب؛ [إذ] هو يستجلب باليمين منفعة إلى نفسه، والشاهد جلي عن التهمة؛ لأنه لا يجلب إلى نفسه خيرًا، ولا يدفع عنها ضررًا.
وجانب المدعي ضعيف؛ لأنه ادعى على مخالفة الظاهر دينًا في ذمة غيره، أو عينًا في يده، والمدعى عليه أثبت على موافقة الظاهر فراغ ذمته عن الدين، والملك فيما احتوت يده عليه؛ فوضعت الحجة القوية في جانب الضعيف؛ لينجبر ضعف الجانب بقوة الحجة، ووضعت الحجة الضعيفة في جانب القوة؛ لينجبر ضعف الحجة بقوة الجانب.
قلت: وهذا الذي ذكره مستقيم على قولنا: إن المدعي من يذكر أمرًا يخالف الظاهر، والمدعى عليه من يوافق قوله الظاهر.
وقد اختلف الأصحاب في حد المدعي والمدعى عليه فيما اصطلح عليه الفقهاء:
فمنهم من قال: المدعي والمدعى عليه من المتخاصمين من ذكرناه، وهو ما ادعى الرافعي: أنه أظهر عند الروياني، والذي يشعر به لفظ"المختصر"، ويقتضيه كلام أكثر الأصحاب.
ومنهم من قال: المدعي منهما: من لو سكت بعد ما أبداه، لترك [و] سكوته، والمدعى عليه: من إذا سكت لم يترك وسكوته، بل يطالب بالجواب عند المنازعة.
قال في"البحر": ومن أصحابنا من قال: حقيقة مذهبنا: أن من أضاف ملكًا أو حقًا