الثاني: العمل عند الطاغوت - وإن كان العمل غير مخالف للشرع - يفضي ولا بد إلى ترك قتاله، وهذا هو المشاهد حسا، فإن غالب من يعمل عند الطاغوت لا يقاتله، وهذا فيه ترك لما أوجب الله تعالى من قتال الطاغوت المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، والأدلة على ذلك أكثر من أن أذكرها هنا، ولو بأن هناك من يعمل عند الطاغوت ويتبرأ منه ويعاديه ويبغضه، قيل؛ الأعم الأغلب هو عكس ذلك، والشرع أحكامه معلقه بالأعم الأغلب لا بالنادر والشاذ.
الثالث: استمراء حكم الطاغوت مما قد يفضي إلى الدخول في حكمه - كما هو واقع اليوم - فغالب من يعمل عند الطاغوت استمرأ حكم الطاغوت، حتى بلغ ببعضهم عدم بغض الطاغوت وعداوته بسبب العمل عنده، بل بلغ ببعضهم القتال معه والدفاع عنه، وهذه من أعظم الأمور التي توجب على المسلم الفرار بدينه وترك الأسباب المفضية إلى الوقوع بالشرك والكفر، ومعلوم من قاعدة الشرع العظيمة؛ وهي سد كل ذريعة مفضية إلى الشرك والكفر، وإن كانت في نفسها لا تخرج من الإسلام.
الرابع: قد يتخلل العمل عن الطاغوت تنفيذ بعض الأوامر المخالفة للشرع، وهي على أقسام، منها ما هو كفر مخرج من الملة، لأنه من المعلوم أن دين الطاغوت الأصل فيه مخالفة الشرع، فلا ينظر فيه لا لكتاب ولا لسنة، فمن أطاعهم في الكفر؛ كفر مثلهم، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ} ، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} .
القسم الثاني؛ الطاعة في المعصية، وهو على نوعين، الأول؛ ما يكون كفر مخرجا من الملة وهو أن يوافقهم على اعتقادهم في تحليل الحرام، كما قال تعالى {وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} .
النوع الثاني؛ إذا لم يوافقهم على اعتقادهم في تحليل الحرام، فهذا لا يكفر، ولكن وقع في الحرام.
وهذا النوع؛ وإن كان لا يخرج من الملة ولكن يخشى عليه الوقوع في المحاذير التي ذكرناها سابقا، وأبلغ؛ فإن المحاذير السابقه فيمن لم يقع في الحرام، فكيف لو وقع في طاعتهم في الحرام.