ونقول في الإجابة عن ذلك: لقد قبل روايته للحديث كثيرون، فأولى أن يكون مقبول النقل في الفقه، وتلقى علماء جيله نقله بالقبول، ولم يطعنوا فيه، ولو كان نقله محل الطعن لابتدأ ذلك بين معاصريه، وتوارث الأجيال ذلك الطعن حتى وصل إلينا، وإذا كان بعض معاصريه ينفس عليه عمله وما ناله من منزلة، فأي عالم مجدد ليس له منافس؟ وإن تلقى علماء عصره مروياته بالقبول، هو وحده دليل على الصدق، ولقد صدقوه ونقلوا عنه. قال أبو بكر محمد بن الحسين: كلنا تبع للخلال، لأنه لم يسبقه إلى جمعه وعلمه أحد (1) .
وقال أيضًا: كل من طلب العلم يقابل أبا بكر الخلال. من يقدر على ما يقدر عليه الخلال من الرواية؟ (2) .
والشهادات بصحة نقله كثيرة، من كبار علماء المذهب الحنبلي، وما كانوا ليتضافروا على هذا الصدق لو كان عندهم ريب، ولقد كان الخلال حريصًا على أن يأخذ كل ما نقله بالسماع، وعلى أداء الأمانة التي حملها نفسه، فرحمه الله تعالى، وأدخله فسيح جناته.
ثالثًا: مرحلة جمع وتكوين المسائل الفقهية وتصنيفها:
بعد مضي زمن كان الاهتمام يدور فيه على معرفة روايات الإمام وجمعها، وبعد ما جمعت بشكل جيد على يد الخلال كما قلنا، جاء من صنف كتابًا يعتبر من أوائل ما صنف في المذهب الحنبلي، إن لم يكن أولها وأعظمها، حيث ألف أبو القاسم عمر بن أبي علي الحسين الخرقي (ت 334 هـ) كتابًا مختصرًا أسماه الناس"مختصر الخرقي".
ويتكون هذا الكتاب من ألفين وثلاثمائة مسألة، وهو عظيم الفائدة، واضح العبارة، سهل الأسلوب، واضح للمبتدئين، سهل التناول للعلماء المجتهدين.
ولمزايا هذا المختصر تناوله بالشرح والتعليق والنظم كثيرون من علماء الحنابلة، وقيل إن شروحه زادت على ثلاثمائة، وأفضل هذه الشروح وأشهرها:
ـــــــــــــ
(1) ابن حنبل 184.
(2) ابن حنبل 184.