فلما اشتد بك الكرب والعطش وبلغ منك المجهود ذكرت الجنان فهاجت غصة من فؤادك إلى حلقك أسفًا على جوار الله عز وجل وحزنًا على نعيم الجنة الذي أضعته بنفسك بسبب الذنوب والمعاصي ، ففزعت إلى الله بالنداء يردك إلى الدنيا لتعمل صالحًا ! ، فمكث عنك دهرًا طويلًا لا يجيبك هوانًا بك ، ثم ناداك بعد ذلك بالخيبة منه أن ( اخسئوا فيها ولا تكلمون ) ثم أراد أن يزيدك إياسًا وحسرة فأطبق أبواب النار عليك وعلى أعدائه فيها فيا إياسك ويا إياس سكان جهنم حين سمعوا وقع أبوابها تطبق عليهم ، فعلموا عند ذلك أن الله عز وجل إنما أطبقها لئلا يخرج منها أحد أبدًا ، فتقطعت قلوبهم إياسًا وانقطع الرجاء منهم أن لا فرج أبدًا ، ولا مخرج منها ، ولا محيص من عذاب الله عز وجل أبدًا ، خلود فلا موت . وعذاب لا زوال له عن أبدانهم ، وأحزان لا تنقضي ، وسقم لا يبرا ، وقيود لا تحل ، وأغلال لا تفك أبدًا وعطش لا يروون بعده أبدًا ، لا يرحم بكاؤهم ، ولا تجاب دعاؤهم ، ولا تقبل توبتهم فهم في عذاب دائم وهوان لا ينقطع ، ثم يبعث الله بعد ذلك الملائكة بأطباق من نار ومسامير من نار ، وعمد من نار ، فتطبق عليهم بتلك الأطباق وتشد بتلك المسامير ، وتمد بتلك العمد ، فلا يبقى فيها خلل يدخل فيها روح ولا يخرج منه غم ، وينساهم الرحمن بعد ذلك ( نسوا الله فنسيهم ) فذلك قوله تعالى: ( إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة ) . ينادون الله ويدعونه ليخفف عنهم هذا العذاب فيجيبهم بعد مدة ( اخسئوا فيها ولا تكلمون ) .