في سنة (؟) ميلادية فصلت الأرض من السماء فصلًا تامًا وغلقت جميع أبواب السماء دون الأرض وأهلها وفزعت الأملاك إلى أقطار السماء وانقطع ذلك المدد الروحي الذي كانت تعان به الأرض وأهلها على اجتياز ظلمات المادة وفسق المادة وكثافات المادة سيرًا إلى عالم الأرواح ومستقر الروحانيين ، فخبط الناس في ظلمات ثلاث: ظلمة العقائد ، وظلمة القانون ، وظلمة النفس . أما العقائد فلا يجد المتأمل فيها بصيص نور يهتدي به إلى هداية أو يخلص به من ضلالة . وأما القوانين فلا يجد المتأمل فيها ما يعين على عدالة أو مايخرج من ظلامة . وأما الأنفس فلا يجد المتأمل فيها مكانًا لعقيدة صحيحة سليمة ولا لقانون عادل إنساني رحيم .
فبظلمة العقائد استبد رجال الدين بقلوب الناس وعواطفهم ، وبظلمة القانون استبد رجال السلطة الزمنية بأموال الناس وظهورهم ، وبظلمة الأنفس واتى رجال الدين رجال السلطة الزمنية الاستبداد بأموال الناس وقلوبهم وعواطفهم وظهورهم .
فما زالت الإنسانية تتخبط في هذه الظلمات الثلاث ، وتنحدر إلى الهاوية السحيقة ، وتتخلى عن المعاني الإنسانية شيئًا فشيئًا ، ومن تراث رسالات السماء وبقايا تعاليم الأنبياء ، حتى تمخضت عن أمم كان من قسوتها وفظاعتها أن تقتل بنيها شر القتلات خيفة أن يشاركوهم في مأكلهم ومكسبهم ، ومن عقلها ودينها أن تضع بأيديها معبوديها ، ومن مجدها الذي يتغنى به الرائح والغادي والطفل والشيخ وتنسج له برود الثناء الحذق في انتزاع الأرواح والمهارة في إيتام الأطفال وإرمال النساء واثكال الأمهات والآباء ومن كرمها وخلقها أن تغتصب أموال العاجزين عن الذياد عنها لتقدمها للأضياف مكرمة ونزلًا . حتى لقد صدق في تلك الأمم قول الحق: ( أولئك كالأنعام بل هم أضل ) .