الصفحة 16 من 162

وفي ذات ليلة عام 610 ميلادية بينما كان الكون ساكنًا صامتًا والأشياء راكدة مصغية متوجسة كأنها تتوقع حدوث أمر عظيم ، انفتحت فرجة من السماء تعلقت بها الأبصار انبعث منها شعاع قوي وهاج باهر فهبط على غار يقيم هنالك في جانب من جوانب قرية تقع هنالك في جانب خامل مهجور من جوانب أركان الأرض الخاملة المهجورة يقيم في ذلك الغار رجل لا كالرجال يحمل نفسًا لا كالأنفس وقلبًا لا كالقلوب ، هرب بنفسه وقلبه وفطرته من أولئك الناس وعقائدهم وأعمالهم إلى السكون والدعة وإلى الطهارة التي لا يظفر بها بين الناس في حدود القرية والمدينة مخليًا بين روحه وما فطرت عليه من الطهر والنبل والعظمة والتأملات السامية الحادة النافذة ، واصلًا بين نفسه وربه بصلة هذا الكون وما أودع فيه من آياته وبيناته .

فكان هذا الشعاع الهابط هو ما عرف بعد بالإسلام ، وكان هذا الغار هو ما عرف بعد بغار حراء ، وكان هذا الرجل الذي لا كالرجال هو منقذ الإنسانية الأكبر من كبوتها محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم ، وكانت هذه القرية هي مكة المكرمة الواقعة في قلب بلاد العرب الجدباء العتيدة .

تسلل ذلك النور الموصول بالسماء العليا ، من غار حراء إلى مكة متوجسًا متوهجًا في صدر محمد صلى الله عليه وسلم مشعًا من جوانب صدره . فغمر بيوت مكة وفجاجها ، وسال في طرقاتها ونواديها ، وتناثر على وجوه الرائحين فيها والغادين .

فانبهر الناس ودهشوا لهذا النور الوهاج الذي لم يعهدوه ولم يبصروه ولم يسمعوا به . فوقفوا منه موقفين متباينين متخاصمين: وقف الجمهور الكثر منه موقف الوجل الخائف الكاره المنكر فأوصدوا دونه أبوابهم ونوافذهم ، ثم قلوبهم ونفوسهم ، وقاموا منه مقام العداء والنضال الحاد العنيف .

ووقف منه القليل موقف الراضي المسرور المعجب المغتبط ، ففتحوا له أبوابهم ونوافذهم وفتحوا له قبل هذا قلوبهم ونفوسهم وطلبوه في مكانه وسعوا إليه خفافًا وثقالًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت