الصفحة 17 من 162

فكان من هذا القليل النزر بيوت عرفت بالسبق إلى الهداية والإسلام ونصرته ، وكان من هذه البيوت بيت أبي بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ، هؤلاء الذين عرفوا فيما بعد بالخلفاء الأربعة الراشدين ، وكان من هذا القليل النزر غير هؤلاء .

فقبست هذه الصدور من نور محمد صلى الله عليه وسلم ، كل صدر بقدره وما أهل له ، فتعددت مصادر هذا النور الإلهي وزاد إشعاعه واتقاده وزاد في مكة وضوحًا وإشراقًا وتوهجًا ، وهكذا ظل يتزايد إشعاعًا وإشراقًا في تلك القريةالمحدودة الضيقة حتى ضاقت به فسال منها وتناثر إلى الجارات ثم انتقل مصدره الأول الأكبر إلى قرية عرفت فيما بعد بالمدينة المنورة . فغشاها هذا النور الوهاج الهابط وتتدفق إلى بيوتها فقبست منه الصدور ، فازداد إشعاعه وإشراقه ، حتى ضاقت به تلك المدينة ، ولم تعد واسعة له ، فتدفق منها إلى هاهنا وهاهنا ، إلى الشرق والغرب ثم إلى الشمال والجنوب ، هازمًا كل ما أمامه من الظلمات الثلاث ظلمة القانون ، وظلمة العقائد ، وظلمة الأنفس ، وما استطاعت ظلمة من هذه الظلمات الثلاث أن تثاقفه أو تواقفه لا طويلًا ولا قصيرًا .

تكاثف هذا النور واتسع نطاقه في السماء وفي الأرض ، وتفاعل تفاعلًا إلهيًا وتجسد تجسدًا سماويًا ، حتى صار دينًا قيمًا باهرًا ذا تعاليم وقوانين ، وشرائع محكمة سامية يعشقها القلب إن لم يحبها العقل ، ويحبها العقل إن لم يعشقها القلب ، ويدينها عشقًا من لم يدنها برهانًا ، ويدينها برهانًا من لم يدنها عشقًا .

ثم صار لهذا الدين أنصار وقواد ، يحملونه في إحدى اليدين وفي الأخرى الحديد ذو البأس الشديد ، ويعرضونه على الناس في هالة مفرغة من الأسياف الظماء في قلوب نطاق من الأبطال الأشداء ، يذدون عنه الايذاء والاعتداء ، ويخلون له الطريق إلى القلوب والعقول ، وما أجمل الحق تعرضه القوة ، وما أجمل القوة تنصر الحق ، وما أوضح الحق متدرعًا !!! .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت