فتصور نفسك وقد طال فيها مكثك ، فبلغت غاية الكرب ، واشتد بك العطش فذكرت الشراب في الدنيا ففزعت إلى الحميم فتناولت الإناء من يد الخازن الموكل بعذابك فلما أخذته نشت كفك من تحته ،وتفسخت لحرارته ، ثم قربته إلى فيك فشوى وجهك ، ثم تجرعته فسلخ حلقك ثم وصل إلى أمعائك ، فناديت بالويل والثبور وذكرت شراب الدنيا وبرده ولذته وتحسرت عليه ، ثم آلمك الحريق فبادرت إلى حياض الحميم لتبرد فيها كما تعودت في الدنيا الاغتسال و الانغماس في الماء إذا اشتد عليك الحر ، فلما انغمست في الحميم تسلخ لحمك ، من رأسك إلى قدميك ، فبادرت إلى النار رجاء أن تكون هي أهون عليك ثم أشتد عليك حريق النار فرجعت إلى الحميم فأنت هكذا تطوف بينهما وبين حميم آن وذلك مصداقًا لقول مولاك جل وعلا: ( يطوفون بينها وبين حميم آن ) . فتطلب الراحة بين الحميم وبين النار ، فلا راحة ولا سكون أبدًا .