ب) أما زيارة المقابر فإنها عظة بليغة للقلوب ، فإذا رأى الإنسان المساكن المظلمة المحفورة ، ورأى هذه النهاية التي يحثو فيها أحياء الميت عليه التراب بعد إدخاله في لحد ... ضيق، وإغلاقه عليه بلبنات من طين، ثم يرجعون عنه ويقتسمون أمواله، ويتملكون مخصصاته، وتزوجت نساؤه، وينسى بعد أن كان صاحب الكلمة في البيت، يأمر فيطاع ، وينهى فلا يعصر، فإذا زار المؤمن المقبرة وتفكر في ذلك أدرك فائدة قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( زوروا القبور فإنها تذكر الموت ) .
ج) أما تغسيل الموتى وتشييع الجنائز فإن في تقليب الجسد على خشبة المغسلة عظة بليغة ، وربما كان شديد البطش والهيبة، وقد صار بالموت جسدا خامدًا لا حراك به، يقلبه الغاسل كيف يشاء .
وقد كان مكحول الدمشقي إذا رأى جنازة قال: اغدوا فإنا رائحون، موعظة بليغة وغفلة سريعة، يذهب الأول، والآخر لا عقل له، وكان عثمان رضي الله عنه إذا شيع الجنازة ووقف على القبر بكى، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي ، وتبكي إذا وقفت على القبر ؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه ، وإن لم ينج منه فما بعده أشد ) .
د) أما زيارة الصالحين فلأنها توقظ القلب وتبعث الهمة، فإن الزائر يرى الصالحين وقد اجتهدوا في العبادة وتنافسوا في الطاعات، لا غاية لهم إلا رضا الله، ولا هدف لهم إلا الفوز بجنته، معرضين عن التفاني على الدنيا والاشتغال بها، لأنها معوقة عن السير في ذلك الطريق الشريف. وقد أرشد الله نبيه أن يصبر نفسه مع هؤلاء: ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا )