ولقد كان الأعرابي يلقى محمدًا صلى الله عليه وسلم فيتلو عليه قول الله: ( كل شيء هالك إلا وجهه ) فتتضاءل المخلوقات وتتلاشى في عينه ومن نفسه حتى يدركها الفناء فيروح يضرب الباطل وفلق هامات الضلال غير حاسب لغير الله حسابًا وغير قابل إلا لخالقه حكمًا وغير محس لغيرالحق وحده وجودًا ، فيكبر هو في عين الوجود وفي نفسه حتى يتصدع له بناء الطبيعة ويخشع له إجلالًا قانون المادة ، ويحل في حساب الباطل والضلال حتى يبصرا في كل شعرة منه ألف جحفل يقاتل في سبيل الله . فما أنت والرغبة في التراب .وكان المشرك الدنس يتلقى لا إله إلا الله فتتمشى فيه فتعقم جسمه ونفسه وتطهرهما من معاني الشهوة والفسوق والحيوانية النهمة فيسمو على الشهوات وحاجات النفوس وعلى مآرب الطبيعة وحاجات المادة فيروح ويغدو ملكًا في أثواب إنسان ومعنى طاهرًا مقدسًا في صورة مادة ، فما أنت ومساءلة الأطلال الفانية ؟؟! .
... وكان المسلم الأول يمر على قول الله: ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا ) فتحول بينه وبين الخلق جميعًا وتسد عليه طريق الرغبة في العباد كافة فتمر به مصائب الناس جميعًا ويلقى في حياته معنى صفة الله الجبار الممحص في معناها الجلي الظاهر الكامل فلا يدل مخلوقًا على مكان ألمه ولا يكشف لغير الله عن موضع علته ولا تسمع منه أذن مخلوقة قوله آه ولا يسأل مخلوقًا عونًا حتى لقد كان يسقط منه عصاه فلا يقول لأحد ناولنيه ، فما أنت ودعوة الأموات والشكوى إلى الرمم والعظام النخرة .