... عرج على قبر من تلك القبور ثم استمع حشرجة تلك الصدور بهتافات الرغبة وإعوال الرهبة وتسمع تساقط الرغبات الملحة من تلك الشفاه الذابلة بحرارة الذعر وتوهج الرجاء وانظر إلى تلك الوجوه الذاهلة الساهمة بنشوة الخضوع وجلال الخشوع وإلى تلك الدموع المتحدرة في الحس ماء من العين وفي العقل عبادة واستسلامًا لغير الله من القلب والعقل وإهانة كبرى للإنسانية أينما كانت ، وإلى تلك الأيدي المبسوطة ظاهرًا بالأمل المبسوط على تلك الستائر والأبواب والأخشاب والعمد المبسوطة معنى إلى كرامة الإنسان ومجد العبودية الإلهية لتمزيقها شر ممزق وإلى الشرف الإنساني الرفيع لتهبط به تحت أقدام الموتى وأشلاء الفناء وانظر إلى تلك الوفود المختلفة المزدحمة ذات الحاجات المختلفة المزدحمة والجموع المتدافعة على تلك القباب والأبواب ذات الأنواط والحبال وعلى تلك الأضرحة رجاء البعيد القصي وقرة عين القريب النجي .
... انظر إلى ذلك كله وتسمع ما هنالك كله ثم صب الدمع سخينًا غزيرًا على كرامة الإنسان ومجده وعلى عزة العبودية الماجدة الواحدة الموحدة المراقة بلا ثمن سوى الخزي والعار في الدنيا ثم الويل والنار في الأخرى ثم قل والخطاب للمسلم وحده:
... ويحك أيها المسلم ماذا دهاك ؟ !! إن أسلافك الأمجاد لم يقنعوا بهذ العالم كله مطلبًا وغاية حتى عقدوا من أسيافهم وصالح أعمالهم درجات يمتطون بها ثبج الهواء ويشقون بها حواجز المادة والطبيعة ليتصلوا بغاية الغايات ونهاية كل موجود فما أنت والرضا بالتراب ؟ ولقد كان المسلم يتلو قول الله: ( أليس الله بكاف عبده ) فيحمل سيفه المثلم ورمحه المحطم من مسايفة الأبطال ومقارعة الصناديد المغاوير فيقذف نفسه في غمرات الموت يطعن ويضرب فلا يفكر في أن ينهزم وصدره يعي هذه الآية ومعناها العلوي السماوي ، حتى لو وقف العالم كله ليصده عما أراد وليحول بينه وبين الإنتصار للحقيقة الواحدة الخالدة فما أنت وخشية التراب ؟ .