... ضل الإنسان وغوى فعبد الشمس والقمر والأجرام العلوية فقيل أغراه بهذه الضلالة وبهذا النزول الفكري الإعتقادي ما رآه في هذه الأفلاك العلوية النيرة من الجلال والجمال والإشراق الباهر والعظم المشهود الفتان ، ثم ضل وغوى فعبد الملائكة فقيل أغراه بعبادتهم ما أكرمهم الله به من طهارة وعلو ومن اتصال به تعالى ومن خصائص خلقية عجيبة ، ثم ضل وغوى فعبد هذه الأنهار المتدفقة عن اليمين وعن الشمال فقيل أغراه بعبادتها ما أودعها الله من المنافع للإنسان وللحيوان ، ثم ضل وغوى وانحط غيه وضلاله فعبد الأحجار والأخشاب والستائر المنصوبة على هيكل مخلوق ضعيف عاجز عن نفع نفسه وعن ضرها حيًا ، فلما أن قيل ما الذي أغراه بعبادة هذه الأخشاب والأحجار والأحداث وما الذي أبصره هنالك حتى ضل هذا الضلال المبين لم يكن الجواب سوى أن يقال أغراه بهذا نقص الإنسان وإفلاس الإنسانية وانحدار مداركها انحدارًا يصره في وجه الإنسان المزهو بإنسانيته قائلًا: ها هنا ينتحر العجب الإنساني وها هنا تنتحر الإنسانية .