وَفِيمَا عَدَا هَذِهِ الْقُيُودِ يَجُوزُ أَنْ تَظَل حُرِّيَّةُ التِّجَارَةِ قَائِمَةً، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ انْفَرَدُوا بِالْقَوْل بِمَنْعِ التَّصْدِيرِ مِنْ بِلاَدِنَا، وَمُتَاجَرَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إِذَا كَانَتْ أَحْكَامُهُمْ تَجْرِي عَلَى التُّجَّارِ؛ لِأَنَّ فِي تَصْدِيرِ أَيِّ شَيْءٍ إِلَيْهِمْ تَقْوِيَةً لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ مِنَ الإِقَامَةِ فِي دَارِ الشِّرْكِ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمٍ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ، فَأَسْرَعَ فِيهِمُ الْقَتْلَ قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ وَقَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» .قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ؟ قَالَ: «لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا. [1]
كَمَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَصْدِيرُ الأَطْعِمَةِ وَنَحْوِهَا إِلاَّ إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ هُدْنَةٌ مَعَ الْعَدُوِّ، أَمَّا فِي غَيْرِ الْهُدْنَةِ فَلاَ يَجُوزُ. [2]
وَالأَدِلَّةُ عَلَى جَوَازِ التَّصْدِيرِ مِنْ بِلاَدِنَا مِنْهَا: ما جاء عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟» فَقَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟» قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى كَانَ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: «مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟» فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» ،فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللهِ، مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَاللهِ، مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ
(1) - سنن أبي داود (3/ 45) (2645) صحيح
(2) - المدونة 10/ 102، والمقدمات الممهدات 2/ 285، وفتح العلي المالك 1/ 331، ومواهب الجليل 3/ 364، و 379.