وَأَجْرَى الْفَقِيهُ الْقَاضِي الشَّهِيرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَالَ هَذَا الْمُسْلِمِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ الْمُقِيمِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَبْرَحْ عَنْهَا بَعْدَ اسْتِيلَاءِ الطَّاغِيَةِ عَلَيْهَا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ فِي مَالِ مَنْ أَسْلَمَ وَأَقَامَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ فَرَّقَ ابْنِ الْحَاجِّ بَعْدَ الْإِلْحَاقِ وَالتَّسْوِيَةِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ اللَّاحِقَةِ بِأَنَّ مَالَ مَنْ أَسْلَمَ كَانَ مُبَاحًا قَبْلَ إسْلَامِهِ بِخِلَافِ مَالِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ لَمْ تَزَلْ وَلَا يُعْزَى لَهُ فِي وَقْتِ مَا كَفَرَ مُبِيحٌ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَمَا لِلْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمَا مِنْ سَبِيلٍ، وَهُوَ رَاجِحٌ مِنْ الْقَوْلِ وَاضِحٌ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ وَالنَّظَرِ وَظَاهِرٌ عِنْدَ التَّأَمُّلِ لِمَنْشَأِ الْخِلَافِ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيَانُهُ عَلَى مَا لَا يَخْفَى وَيُعْتَضَدُ هَذَا الْفَرْقُ بِنَصٍّ آخَرَ.
مَسْأَلَةٌ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ وَلَفْظُهُ: وَسَأَلْته عَمَّنْ تَخَلَّفَ مِنْ أَهْلِ بَرْشِلُونَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَنْ الِارْتِحَالِ عَنْهُمْ بَعْدَ السَّنَةِ الَّتِي أُجِّلَتْ لَهُمْ يَوْمَ فُتِحَتْ فِي ارْتِحَالِهِمْ فَأَغَارَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَفَرُّدًا مِمَّا يَخَافُ مِنْ الْقَتْلِ إنْ ظَفِرَ بِهِ.
فَقَالَ: مَا أَرَاهُ إلَّا بِمَنْزِلَةِ الْمُحَارِبِ الَّذِي يَتَلَصَّصُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أُصِيبَ فَأَمْرُهُ إلَى الْإِمَامِ يَحْكُمُ فِيهِ بِمِثْلِ مَا يَحْكُمُ فِي أَهْلِ الْفَسَادِ وَالْحِرَابَةِ، وَأَمَّا مَالُهُ فَلَا أَرَاهُ لِأَحَدٍ أَصَابَهُ اهـ. مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ إنَّهُمْ فِي إغَارَتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحَارِبِينَ صَحِيحٌ لَا خِلَافَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا حَارَبَ سَوَاءٌ كَانَتْ حِرَابَتُهُ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ، أَوْ فِي بَلَدِ الْكُفْرِ الْحُكْمُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي مَالِهِ إنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَصَابَهُ فَهُوَ خِلَافٌ ظَاهِرٌ.
قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي يُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ يَغْزُو الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الدَّارَ فَيُصِيبُونَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ إذَنْ ذَلِكَ كُلُّهُ فَيْءٌ إذْ لَمْ يُفَرَّقْ فِيهَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْجَيْشُ غَنَمَ مَالَهُ وَوَلَدَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ، أَوْ بَعْدَ خُرُوجِهِ اهـ.
قُلْت: فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا يُؤْذِنُ بِتَرْجِيحِ خِلَافِ مَا رَجَّحَهُ مَعَاصِرُهُ وَبَلَدِيُّهُ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ فِي مَالِ هَؤُلَاءِ الْمَسْئُولِ عَنْهُمْ وَأَوْلَادِهِمْ فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الشُّيُوخِ يَظْهَرُ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُلْحَقَةَ بِهِمْ فِي الْأَنْفُسِ وَالْأَوْلَادِ وَالْأَمْوَالِ جَارِيَةٌ عَلَى الْمُقِيمِينَ مَعَ النَّصَارَى الْحَرْبِيِّينَ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْخِلَافِ وَتَمَهَّدَ مِنْ