مُؤْمِنَةٍ [النساء:92] ،وَلَمْ يَذْكُرْ دِيَةً. قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْمُؤْمِنِ إنَّمَا هُوَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ؛ لِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ فِي قَوْمٍ أَعْدَاءٍ فَهُوَ مِنْهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة:51] فَهُوَ مُؤْمِنٌ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ، فَلَمَّا ذَكَرَ الدِّيَةَ أَوَّلَ الْآيَةِ فِي الْمُؤْمِنِ الْمُطْلَقِ وَفِي آخِرِهَا فِي الْمُؤْمِنِ الَّذِي قَوْمُهُ تَحْتَ عَهْدِنَا وَمِيثَاقِنَا وَهُمْ الذِّمِّيُّونَ وَسَكَتَ عَنْهَا فِي هَذَا الْمُؤْمِنِ الَّذِي بَيْنَ الْأَعْدَاءِ دَلَّ عَلَى سُقُوطِهَا، وَأَنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ خَاصَّةً هَذَا حُكْمُ دَمِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ خُرَاسَانِيَّةٌ عَظْمًا لَمْ تَبْلُغْهَا الْمَالِكِيَّةُ وَلَا عَرَفَتْهَا الْأَئِمَّةُ الْعِرَاقِيَّةُ فَكَيْفَ بِالْمَفَازَةِ الْمَغْرِبِيَّةِ.
احْتَجَّ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ الْعَاصِمَ الدَّارُ بِأَنَّ التَّحَرُّزَ وَالِاعْتِصَامَ وَالِامْتِنَاعَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْحُصُونِ وَالْقِلَاعِ، وَأَنَّ الْكَافِرَ إذَا صَارَ فِي دَارِنَا عُصِمَ دَمُهُ وَمَالُهُ فَصَارَ كَالْمَالِ إذَا كَانَ مَطْرُوحًا عَلَى الطَّرِيقِ لَمْ يَلْزَمْ فِيهِ قَطْعٌ، وَإِذَا حَرَزَ بِحِرْزِهِ كَانَ مَضْمُونًا بِالْقَطْعِ.
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ» الْحَدِيثَ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْعِصْمَةَ لِلنَّفْسِ وَالْمَالِ إنَّمَا تَكُونُ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا دَخَلَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ مَعْصُومُ الدَّمِ وَالْمَالِ، وَالدَّارُ مَعْدُومَةٌ.
وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِنَا إنَّ الْإِسْلَامَ عَاصِمٌ لِلنَّفْسِ دُونَ الْوَلَدِ وَالْمَالِ وَقَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّ التَّحَرُّزَ وَالتَّعَصُّمَ يَكُونُ بِالْقِلَاعِ فَكَلَامٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِالْعِصْمَةِ الْحِسِّيَّةِ الَّتِي يَكْتَسِبُهَا الْكَافِرُ وَالْمُحَارِبُ وَلَا يَعْتَبِرُهَا الشَّرْعُ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ عَلَى مَا يَعْتَبِرُهُ الشَّرْعُ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحَارِبَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ يَتَحَصَّنَانِ بِالْقِلَاعِ وَدَمُهُمَا وَأَمْوَالُهُمَا مُبَاحَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالثَّانِي بِشَرْطَيْنِ أَنْ يَسْتَقِرَّ وَلَا يَقَعَ وَيَتَمَادَى وَيَتَمَنَّعَ وَلَكِنَّ الْمَالَ إنَّمَا يَمْنَعُهُ إحْرَازُ صَاحِبِهِ لَهُ بِكَوْنِهِ مَعَهُ فِي حِرْزٍ.
قُلْت: بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ حَسْبَمَا تَضَمَّنَ كَلَامُهُ الْآنَ. وَبِقَوْلِ مَالِكٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -،وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ مَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ.