أمّا الجراح فيتمّ فيها القصاص إذا كانتْ في مفْصلٍ، فقتْطع اليد والرّجْل والكفّ والقدم ونحْو ذلك أمًّا إذا كان الجرْح في عظْمٍ وليْس في مفْصلٍ، فاخْتلف في كيْفيّة التّطْبيق.
فمنْ عفا وتصدّق بحقّه في القصاص على الجاني، كان التّصدّق كفّارةً له يمْحو الله بها قدْرًا منْ ذنوبه.
ثمّ يقول تعالى: ومنْ لمْ يحْكمْ بما أنْزل الله في كتبه منْ شْرعٍ، فأولئك هم الظّالمون، لأنّهمْ لمْ ينْصفوا المظْلوم من الظّالم، في أمْرٍ أمر الله بالعدْل والمساواة فيه بيْن جميع خلْقه.
وأرْسلْنا منْ بعْد هؤلاء الأنْبياء منْ بني إسْرائيل عيسى بْن مرْيم مؤْمنًا بالتّوْراة، وحاكمًا بما فيها منْ أحْكامٍ، وأنْزلْنا عليْه الإنْجيل فيه هدًى للْحقّ، وبيانٌ للأحْكام، ونورٌ يسْتضاء به في إزالة الشّبهات، وحلّ المشْكلات. وجاء الإنْجيل مصدّقًا للْتّوراة، ومتّبعًا لها، غيْر مخالفٍ لما فيها إلاّ في القليل ممّا بيّن لبني إسْرائيل بعْض ما كانوا يخْتلفون فيه. وجعلْنا الإنْجيل هدًى يهْتدي به المتّقون، وواعظًا وزاجرًا لهمْ عن ارْتكاب ما حرّم الله، وعن اقْتراف المآثم.
يأْمر الله تعالى أهْل الإنْجيل بأنْ يؤْمنوا بجميع ما جاء فيه من الأحْكام، وبأنْ يعْملوا بها، ومنْ لمْ يحْكم بما أنْزل الله منْ شرْعٍ يؤْمن به، كان من الفاسقين الخارجين عنْ طاعة الله وحكْمه [1] .
وقال ابن كثير رحمه الله:
مدح التّوْراة الّتي أنْزلها على عبْده ورسوله موسى بْن عمْران، فقال: {إنّا أنزلْنا التّوْراة فيها هدًى ونورٌ يحْكم بها النّبيّون الّذين أسْلموا للّذين هادوا} أيْ: لا يخْرجون عنْ حكْمها ولا يبدّلونها ولا يحرّفونها {والرّبّانيّون والأحْبار} أيْ: وكذلك الرّبّانيّون منْهمْ وهم الْعباد الْعلماء، والْأحْبار وهم الْعلماء {بما اسْتحْفظوا منْ كتاب اللّه} أيْ: بما اسْتودعوا منْ كتاب اللّه الّذي أمروا أنْ يظْهروه ويعْملوا به {وكانوا عليْه شهداء فلا تخْشوا النّاس واخْشوْن} أيْ: لا تخافوا منْهمْ وخافوني {ولا تشْتروا بآياتي ثمنًا قليلا ومنْ لمْ يحْكمْ بما أنزل اللّه فأولئك هم الْكافرون} فيه قوْلان سيأْتي بيانهما. سببٌ آخر لنزول هذه الْآيات الْكريمة.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:714، بترقيم الشاملة آليا)