خيْرٍ، ولا يفْهمه، ولوْ فهمه ما انْقاد إليْه، ولا صدّق به ولا انْتفع.؟ فالذين يتّعظون ويعْتبرون همْ أصْحاب العقول السّليمة، والبصائر المدْركة (أولو الألْباب) . [1]
وقال تعالى: {وقالوا إن نّتّبع الْهدى معك نتخطّفْ منْ أرْضنا أولمْ نمكّن لّهمْ حرمًا آمنًا يجْبى إليْه ثمرات كلّ شيْءٍ رزْقًا من لّدنّا ولكنّ أكْثرهمْ لا يعْلمون} (57) سورة القصص
يخْبر الله تعالى عمّا اعتذر به بعْض المشْركين إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عنْ سبب عدم إيمانهمْ برسالته، وكان منْ هؤلاء المعتذرين الحارث بن عثْمان بْن نوْفل بْن عبْد منافٍ فقدْ جاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم ،وقال له: نحْن نعْلم أنّك على الحقّ، ولكنّنا نخاف إنْ اتّبْناك، وخالفْنا العرب، أنْ يخرجونامنْ أرضنا، ويغْلبونا على سلْطاننا ونحن قلّةٌ. ويردّ الله تعالى على هؤلاء بقوله: إنّ الذي اعْتذروا به باطلٌ، لأنّ الله جعلهمْ في بلدٍ آمن، وحرمٍ معظّمٍ آمنٍ منْذ وضع. فكيف يكون هذا الحرم آمنًا لهمْ وهمْ كفّارٌ، مشْركون، ولا يكون آمنا لهمْ إذا أسْلموا واتّبعوا الحقّ؟ ثمّ يقول تعالى: إنّه يسّر وصول الثّمرات والأمتعة والأرْزاق منْ كلّ مكانٍ إلى أهل الحرم، وهذا كلّه بفضْل الله، ومنْ عنايته، ولكنّ أكثر هؤلاء جهلةٌ لا يعْلمون ما فيه خيرهم وسعادتهمْ، ولذلك قالوا ما قالوا. [2]
إنها النظرة السطحية القريبة، والتصور الأرضي المحدود، هو الذي أوحى لقريش وهو الذي يوحي للناس أن اتباع هدى الله يعرضهم للمخافة، ويغري بهم الأعداء، ويفقدهم العون والنصير، ويعود عليهم بالفقر والبوار: «وقالوا: إنْ نتّبع الْهدى معك نتخطّفْ منْ أرْضنا» ..
فهم لا ينكرون أنه الهدى، ولكنهم يخافون أن يتخطفهم الناس. وهم ينسون الله، وينسون أنه وحده الحافظ، وأنه وحده الحامي وأن قوى الأرض كلها لا تملك أن تتخطفهم وهم في حمى الله وأن قوى الأرض كلها لا تملك أن تنصرهم إذا خذلهم الله. ذلك أن الإيمان لم يخالط قلوبهم، ولو خالطها لتبدلت نظرتهم للقوى، ولاختلف تقديرهم للأمور، ولعلموا أن الأمن لا يكون إلا في جوار الله، وأن الخوف لا يكون إلا في البعد عن هداه. وأن هذا الهدى موصول بالقوة موصول بالعزة وأن هذا ليس وهما وليس قولا يقال لطمأنة القلوب
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1727، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:3191، بترقيم الشاملة آليا)