الحب. الحب الفياض الرائق، والود. الود العذب الجميل، والتكافل. التكافل الجاد العميق .. وبلغت تلك الجماعة في ذلك كله مبلغا، لولا أنه وقع، لعد من أحلام الحالمين! وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة، ولكنها في طبيعتها أقرب إلى الرؤى الحالمة! وهي قصة وقعت في هذه الأرض. ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد والجنان! 106 - وعلى مثل ذلك الإيمان ومثل هذه الأخوة يقوم منهج اللّه في الأرض في كل زمان ..
ومن ثم يعود السياق فيحذر الجماعة المسلمة من التفرق والاختلاف وينذرها عاقبة الذين حملوا أمانة منهج اللّه قبلها - من أهل الكتاب - ثم تفرقوا واختلفوا، فنزع اللّه الراية منهم، وسلمها للجماعة المسلمة المتآخية .. فوق ما ينتظرهم من العذاب، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه: «ولا تكونوا كالّذين تفرّقوا واخْتلفوا منْ بعْد ما جاءهم الْبيّنات وأولئك لهمْ عذابٌ عظيمٌ. يوْم تبْيضّ وجوهٌ وتسْودّ وجوهٌ. فأمّا الّذين اسْودّتْ وجوههمْ: أكفرْتمْ بعْد إيمانكمْ؟ فذوقوا الْعذاب بما كنْتمْ تكْفرون. وأمّا الّذين ابْيضّتْ وجوههمْ ففي رحْمت اللّه همْ فيها خالدون» ..
وهنا يرسم السياق مشهدا من المشاهد القرآنية الفائضة بالحركة والحيوية .. فنحن في مشهد هول. هول لا يتمثل في ألفاظ ولا في أوصاف. ولكن يتمثل في آدميين أحياء. في وجوه وسمات .. هذه وجوه قد أشرقت بالنور، وفاضت بالبشر، فابيضت من البشر والبشاشة، وهذه وجوه كمدت من الحزن، واغبرت من الغم، واسودت من الكآبة .. وليست مع هذا متروكة إلى ما هي فيه. ولكنه اللذع بالتبكيت والتأنيب: «أكفرْتمْ بعْد إيمانكمْ؟ فذوقوا الْعذاب بما كنْتمْ تكْفرون!» ..
«وأمّا الّذين ابْيضّتْ وجوههمْ ففي رحْمت اللّه همْ فيها خالدون» .هكذا ينبض المشهد بالحياة والحركة والحوار .. على طريقة القرآن. وهكذا يستقر في ضمير الجماعة المسلمة معنى التحذير من الفرقة والاختلاف. ومعنى النعمة الإلهية الكريمة .. بالإيمان والائتلاف.