إنّ المحاجّة في التراكيب السابقة صادرة من الحق تعالى موجهة للمشركين، لذا استدعى ذلك توكيد الخبر وتثبيته ليوقنوا أنّ الإله واحد وهو الله سبحانه غير أنَّ الطرف الآخر في الحجاج وهم المشركون أكدوا كلامهم أيضًا فكيف نوجه هذه النصوص؟ نوضح ذلك من خلال إيراد بعضها فمن ذلك ما جاء على لسان الكفار من قوم صالح:
(( إنّنا لفي شكٍّ ممّا تدعونا إليه مريب ) ) [هود/ 62] .
أكد الكفار شكهم برسالة نبيهم بـ (إنّ) والّلام، إذ شكوا بالتوحيد وترك عبادة الأوثان وغير ذلك من الاستغفار والتوبة، ويبدو أنَّ هذا التوكيد جاء تقوية لإنكارهم، فإيمانهم بالنبي مستحيل بدليل قولهم (مريب) والريبة هي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة، والتنوين في الشك للتفخيم [1] ومن ذلك قول فرعون (( قال إنّ رسولكم الذّي أرسل إليكم لمجنون ) ) [الشعراء/ 27] .
فقد أكد كلامه بحرفي التأكيد، لأن حالة موسى لا تؤذن بجنونه فكأن وصفه بالجنون أمر مشكوك فيه، وزيادة في التوكيد وصفه بالموصول (الذي أرسل إليكم) فإنّ مضمون الموصول وصلته هو مضمون (رسولكم) فكان ذكره للتأكيد [2] .
وقد حكى الله قول الكفار الذين يعتقدون إلهية عيسى في قوله تعالى:
(( لقد كفر الذّين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم ) ) [المائدة/ 17] .
وقولهم هذا مؤكد بـ (إنَّ) وضمير الفصل، وذلك لأنّهم أرادوا بيان أنّهما شيء واحد فمجرد تعريف جزأي الإسناد كافٍ في إفادة الاتحاد، وإقحام ضمير الفصل بين المسند إليه والمسند في مثل هذا التركيب استعمال معروف لا يكاد يتخلف قصدًا لتأكيد الاتحاد [3] ، ولذلك حكم الله سبحانه عليهم بالكفر.
ب ـ التوكيد بالقصر:
(1) ينظر إرشاد العقل السليم 3/ 46.
(2) ينظر التحرير والتنوير 19/ 119_120.
(3) ينظر التحرير والتنوير 6/ 152.