بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على النبيّ الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلم) خير من نطق بالبيان، وكان خلقه القرآن. لطالما تاقت نفسي إلى دراسة جانب من جوانب هذا الكتاب المعجز وقد أعانني الله أن أحقق شيئًا من رغبتي، فدرست في مرحلة (الماجستير) (تضمن الجملة غير الشرطية معنى الشرط في القرآن) ، أمّا في مرحلة الدكتوراه فقد هداني الله إلى دراسة جانب آخر من الأساليب المعجزة للتعبير القرآني، فكان موضوع (المحاجّة) الذي وجدتُ أنّه حريّ أن يقف الباحث عنده، ويقصر عليه جهده، فقد شغل مساحة واسعة من القرآن الكريم مما دعاني إلى دراسته والوقوف على أساليبه، رغبةً مني في تجلية هذا الأسلوب الذي كثيرًا ما استعمله القرآن موجهًا إلى الذين أنكروا وجود الله، أو أنكروا تفرده بالربوبية، أو أشركوا به، وما يتبع ذلك من عدم الإيمان بالبعث والحساب، أو موجهًا من المشركين إلى أهل الإيمان والتوحيد.
فالقرآن الكريم واجه أعداء الداء وهم في الوقت نفسه أهل فصاحة وبيان، يملكون ناصية اللغة، ويتناقلون الشعر، ويعنون بالتاريخ والفلك وغيرها من العلوم، لذا خاطبهم القرآن بما يوقظ أحاسيسهم وعقولهم، فراح يقرعهم بالحجة تلو الحجة لإقناعهم بالإيمان بالله تعالى وتوحيده، ويدمغ حججهم ويفحمهم ويخطئ مزاعمهم الواهمة وأفكارهم الواهية، فنراه يخاطبهم قائلًا:
(( وإن كنتم في ريبٍ ممّا نزّلنا على عبدنا فاتوا بسورةٍ من مثلهِ وادعوا شهداءكم من دونِ الله إنْ كنتم صادقين ) ) [البقرة/ 23] . وقوله:
(( ياءيّها النّاس إنْ كنتم في ريبٍ من البعثِ فإنّا خلقناكم من ترابٍ ثمّ من نطفةٍ ثمّ من علقةٍ ثمّ من مضغةٍ مخلّقةٍ وغيرِ مخلّقة لنبيّن لكم ونُقرّ في الأرحام ما نشاء