المبحث الثالث:
عوارض بناء الجملة
تتعرض الجملة العربية لعوارض تطرأ عليها فتخرجها عن النسق المألوف وذلك تبعًا لأغراض بلاغية معنوية مقصودة يحرص المتكلم على إيصالها إلى المخاطب ليحدث فيه تأثيرًا معنويًا، وهذه العوارض يحددها السياق والمقام والظروف المحيطة بالنص وأبرز العوارض الواردة في آيات المحاجة التقديم والتأخير، والحذف وينبغي أن أشير ـ هنا ـ إلى أنني قد آثرت فصل هذه الأساليب في مبحث خاص على الرغم من ذكرها في أثناء الفصل، وذلك زيادة في الفائدة وبيانًا لبعض أسرارها التي لم تذكر سابقًا.
1_ التقديم والتأخير:
الأصل في الجملة العربية أن تكون لكل كلمة موضعها الخاص بها غير أنه قد تعرض أغراض بلاغية معنوية مقصودة فيكون نظام الجملة مبنيًا على غير نسقه على غير نسقه المعروف، فتقدم كلمة أو تؤخر بحسب الغرض المعنوي المراد إيصاله للمخاطب (( فليس تقديم كلمة على أخرى صناعة لفظية فحسب، ولكنَّ المعنى هو الذي جعل ترتيب الآية ضرورة لا معدى عنه وإلا اختلّ وانهار ) ) [1] . والمعاني المقصودة من التقديم هي (( في الحقيقة طاقات تعبيرية جديدة تلحق المعاني الظاهرة فتزيدها تدقيقًا وتأكيدًا ) ) [2] وأبرز الدلالات التي أفادها التقديم في آيات المحاجة هي:
1_ الاهتمام:
ذهب النّحويون إلى أنّ التقديم والتأخير إنّما يكون لغرض الاهتمام مطلقًا [3] غير أنّ هذا لا يتحقق إلا في مواضع معينة يكون فيها المتقدم (( هو الغرض المعتمد بالذكر، وإن الكلام قد سيق لأجله .. وأوضح مثال يبين أثر التقديم في المعنى، ومدى
(1) من بلاغة القرآن 105.
(2) خصائص الأسلوب 286.
(3) ينظر الكتاب 1/ 56.