الأهمية التي يعطيها للتعبير قوله تعالى في سورة النمل حيث قدم اسم الإشارة فقال (( لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل ) ) [النمل/ 68] وفي آية أخرى يؤخر اسم الإشارة كما في سورة المؤمنون (( لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل ) ) [المؤمنون/ 83] فقدم نحن وآباؤنا على هذا، فإذا قدم اسم الإشارة الذي يريد به البعث كان ذلك دليلًا على أهمية البعث، وإن الكلام قد سيق لأجله، أما الآية حيث أخر اسم الإشارة، وقدم نحن وآباؤنا، كان ذلك دليلًا على أهمية المبعوثين وهم القصد من الحديث وليس البعث )) [1] . ومن ذلك قوله تعالى: (( والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنفع ومنها تأكلون ) ) [النحل/ 5] فقدم الأنعام للاهتمام بها والحديث عنها من بين ما ذكر الله سبحانه من خلق الأشياء الأخرى [2] . وجاء تقديم المجرور في قوله (ومنها تأكلون) للاهتمام أيضًا، لأنهم شديدو الرغبة في أكل اللحوم [3] .
2_الاختصاص:
التقديم للاختصاص هو (( ما تجد النفس تقديمه أفضل من التأخير، فيتقدم مثلًا بعض أجزاء الجملة حين يكون المحور الذي يدور عليه الحديث وحده، فيكون هو المقصود والمعنى، والنفس يتقدم عندها من يكون هذا شأنه، فلا جرم أن يتقدم في الجملة كما تقدم في النفس، ويدعو البلاغيون هذا التقديم بالاختصاص ) ) [4] . ومنه قوله تعالى: (( قل فلله الحجّة البالغة فلو شاء لهد كم أجمعين ) ) [الأنعام/149] . فتقديم (( المجرور على المبتدأ لإفادة الاختصاص أي لله لا لكم، ففهم منه أنّ حجّتهم داحضة ) ) [5] . ومثله قوله تعالى:
(( وله اختلاف الّيل والنّهار ) ) [المؤمنون/ 80] .
(1) فن البلاغة 104.
(2) ينظر معاني النحو 2/ 558.
(3) ينظر التحرير والتنوير 14/ 105.
(4) من بلاغة القرآن 112.
(5) التحرير والتنوير 8/ 151.