القصر طريقة من طرائق التوكيد يستعملها المتكلم إذا أراد توكيد كلامه وتثبيته جاء في الخصائص (( ألا ترى أنّك لو قلت: أ هر ذا ناب شر لكنت على طرف من الإخبار غير مؤكد، فإذا قلت: ما أهر ذا ناب إلا شر كان ذلك أؤكد، ألا ترى أنَّ قولك: ما قام زيد أؤكد من قولك قام زيد ) ) [1] . والجملة الاسمية يقصر فيها المبتدأ على الخبر، ويقصر فيها الخبر على المبتدأ ويؤدى القصر بالأدوات وبغيرها [2] ، وما جاء في آيات المحاجة من طرق القصر (إنْ النافية + إلا) و (ما النافية + إلا) و (إنّما) فمن القصر بـ (إنْ النافية + إلا) قوله تعالى:
(( قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدّونا عمّا كان يعبد آباؤنا ) ) [إبراهيم/ 10] .
ابتدأ الخطاب بأسلوب النفي والاستثناء لأنه (( يسلك مع مخاطب تعتقد أنه مخطئ ) ) [3] ، لذا استعمله الكفار مع الرسل (عليهم السلام) فـ (( الرسل عندهم في معرض المنتفي عن البشرية، والمنسلخ عنه حكمها ـ بناء على جهلهم أنَّ الرّسول يمتنع أن يكون بشرًا ) ) [4] فقولهم (إن أنتم إلا بشر مثلنا) قصر (( الرسل على البشرية أي لستم رسلًا، وإنما أنتم بشر، والقوم يعتقدون أن الله لا يرسل بشرًا رسولًا، ومادام الرسل يدعون الرسالة فهم عند القوم ينكرون البشرية، ثم أنّ إصرار الرسل على إنكار بشريتهم في معتقد القوم يكون بمقدار إصرارهم على الرسالة، ولهذا قالوا لهم إن أنتم إلا بشر مثلنا بالنفي والاستثناء ) ) [5] . وقد أجاب الرسل (عليهم السلام) الكفار بما يفحمهم ويسكتهم بأسلوب أقوى وأثبت في بيان الحجة فقالوا: (( قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكنّ الله يمنّ على من يشاء من عباده ) ) [إبراهيم/ 11] .
فليس في قولهم (إن نحن إلا بشر مثلكم) (( اعتراف وتسليم بنفي الرسالة عنهم كما هو ظاهر ـ وإنما الغرض منه مجاراة الخصم بتسليم بعض مقدماته قصدًا إلى استمالته حتى يصغي لما يقال له حتى يعثر أو يفحم، فالرسل تقول: إنّ ما ادعيتم
(1) الخصائص 1/ 319.
(2) ينظر في النحو العربي قواعد وتطبيق 210.
(3) مفتاح العلوم 294.
(4) المصدر نفسه.
(5) دلالات التراكيب 107_ 108.