الصفحة 101 من 233

من أننا بشر ـ حقّ ـ لكنّ هذا لا ينافي أن يمنّ الله علينا بالرسالة، ولهذا قالوا بعد ذلك: (ولكنّ الله يمنّ على من يشاء من عباده) فهم أثبتوا البشرية لأنفسهم من غير أن يكون في ذلك اعتراف بانتفاء الرسالة عنهم، وأثبتوها بطريق الحصر حتى يكون موافقًا لكلام الخصم في الصورة، وهذا أقوى في المجاراة فالحصر غير مراد، بل حصر صوري )) [1] . وقد أطلق الكفار حكمًا باطلًا على القرآن مؤكدًا بـ (إن وإلا) وذلك في قوله تعالى:

(( حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذّين كفروا إن هذا إلا أساطير الأوّلين ) ) [الأنعام/ 25] .

إذ قصروا القرآن على أمر واحد هو أنّه أساطير الأوّلين، وهو ما سطّره الناس من خرافاتهم وأكاذيبهم، فالقرآن عندهم أساطير الأوّلين فحسب أي ليس وحيًا من عند الله، فالنفي الذي وراء الإثبات في الجملة ليس المقصود به نفي كل صفة عن القرآن وإثبات صفة واحدة له هي أنّه أساطير الأولين، وإنما المراد نفي أن يكون وحيًا من عند الله، بدليل السياق، لأنهم يقولون (إن هو إلا أساطير الأولين) وهم يجادلون رسول الله وكأنهم يقولون له ليس ما تقوله وحيًا سماويًا، وإنما هو أساطير فقلبوا دعواه فالقصر قصر قلب [2] . ومن ذلك قوله تعالى:

(( لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأوّلين ) ) [المؤمنون/ 83] فالتركيب يفيد إنكار الكفار البعث، واستندوا في تكذيبهم به على تكراره في أزمان متعددة فلم يقع، ولم يبعث واحد من آبائهم، وقد أكدوا إنكارهم له بصيغة القصر (إن هو إلا أساطير الأولين) بمعنى هذا منحصر في كونه من حكايات الأولين، وهو قصر إضافي لا يعدو كونه من الأساطير إلى كونه واقعًا كما زعم المدعون [3] . وينبغي الإشارة هنا إلى أن تكرار اسم الإشارة إنّما هو لفائدة معنوية، ففي قولهم (لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل) (( أفادوا بذلك أن القول بالبعث ممّا هو شائع في

(1) المعاني في ضوء أساليب القرآن 295.

(2) ينظر دلالات التراكيب 47_48.

(3) ينظر التحرير والتنوير 18/ 107_ 108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت