إنما (( تأكد هذا الاستهلال بحرف(إنّ) لأجل تنزيل المخاطبين به الذين لم يهتدوا بتلك الدلائل على التوحيد منزلة من ينكر أنّ في ذلك آيات على الوحدانية بعدم جريهم على موجب العلم )) [1] . واقتران خبر (إنّ) باللام زيادة في توكيد الخبر غير أن هذا التركيب افترق عن سابقه في تقديم اختلاف الليل والنهار وتأخيره في الآية السّابقة، وذلك للفت انتباه المشركين لهذه الآية العظيمة التي تتكرر عليهم كل يوم ولكنهم غفلوا عن التفكير في فاعلها، فضلًا عن ذلك أنّ الله سبحانه لم يذكر خلقه للسماوات والأرض في هذا التركيب بل ذكر خلقه لما في السّماوات والأرض من مخلوقات وبذلك استوعب الآيات الزمانية المتمثلة في اختلاف الليل والنهار والمكانية المتمثلة في المخلوقات المكانية في السّماء أو في الأرض.
قد يقتضي المقام تعدد التوكيدات المفيدة تقوية المعنى وتثبيته، وذلك حين تأتي الجملة جوابًا للعادلين بربهم الأوثان القائلين: إنّا على هدى في قوله تعالى: (( قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرّنا ونردّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذّي استهوته الشّياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إنّ هدى الله هو الهدى ) ) [الأنعام/ 71] .
ابتدأ التركيب بالجملة الفعلية ردًّا على الكفار الذين أشركوا بالله ما لا ينفع ولا يضر، ثمّ ختم التركيب بقوله: (قل إنّ هدى الله هو الهدى) أي أن الأمر ليس كما زعموا، فجيء بأربعة مؤكدات لإثبات حقيقة مؤداها أنّ طريق الله الذي بيّنه لنا وأوضحه وسبيله الذي أمرنا بلزومه، ودينه الذي شرعه لنا فبينه هو الهدى والاستقامة التي لا شك فيها، لا عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع [2] . فأكّد الجملة بأنّ وضمير الفصل [3] ، وزيادة في قوة المعنى أضيف الهدى إلى لفظ الجلالة لزيادة الاختصاص فالهدى الحقيق أن يتبع هو هدى الله، وجيء بالخبر معرفًا بـ (أل) لإفادة القصر.
(1) التحرير والتنوير 11/ 97.
(2) ينظر جامع البيان 7/ 368.
(3) ينظر البحر المحيط 1/ 368.