قبّح الله تعالى إنكار الكفار البعث أيّما تقبيح، لما تمادوا به من الكفر والتفريط في حق المنعم، لذا وصف الله سبحانه الكافر الجاحد المتمادي في غيه بوصف يتناسب مع أفعاله فقال:
(( أو لم ير الإنسان أنّا خلقناه من نطفةٍ فإذا هو خصيم مبين ) ) [يس/ 77] .
فابتدأ الخطاب باستفهام تقريريّ (( حيث قرّره بأنّ عنصره الذّي خلق منه هو أخسّ شيء وأمهنه وهو النطفة ) ) [1] وهذه حجة رادعة للكافر تثبت قدرة الله على البعث، ثم ينتقل الخطاب من خلال استعمال حرف المفاجأة ليذم المشرك بقوله (فإذا هو خصيم مبين) فجاء بالضمير (هو) للدلالة على تصغير شأن المخاطب بدليل السياق فالكافر (( على مهانة أصله ودناءة أوّله يتصدى لمخاصمة ربّه وينكر قدرته على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه ) ) [2] واستكمالًا للذم جيء بصفتي (خصيم مبين) فاختير بناء المبالغة ليكون أبلغ في وصف هذا الكافر والمعنى مخاصم شديد الخصام، ظاهره [3] .
ونظيره قوله تعالى: (( خلق الإنسان من نطفةٍ فإذا هو خصيم مبين ) ) [النحل/ 4] .
فقوله (خصيم مبين) سياق الوصفين سياق ذمّ وتهكم [4] وسبقهما حرف الفاء و (إذا) الدالة على المفاجأة واجتماعهما (( يثير في النفس إحساسًا بالمفارقة والطرافة، ويثير مشاعر وأحاسيس لا تعبر عنها ولا تبرزها الألفاظ، وإنما يدركها التذوق البياني، فخلق الإنسان من النطفة يكون عند تكونه في الرحم قبل الولادة، ثم يولد، ثم يكون طفلًا ثم شابًا، ثم رجلًا، ولكنّ موضع التّهكم في الآية أنّها تحجب هذه المراحل عن الذهن، ثم تنقلنا فجأة من الجنين في الرحم إلى الخصومة مع الله وبهذا الانتقال المفاجئ تصف الآية المشركين ) ) [5] .
(1) الكشاف 3/ 293.
(2) مدارك التنزيل 4/ 14.
(3) ينظر التحرير والتنوير 23/ 74.
(4) ينظر البحر المحيط 5/ 474.
(5) أسلوب السخرية في القرآن 334.