وقد جاء اسم الإشارة في الآية الثانية مجردًا من الإضافة بخلاف ما سبقه إذ أضيف إلى ضمير المخاطبين والسبب يعود إلى أنّ اسم الإشارة في الآية الأولى موجه للمشركين فأضيف إلى ضميرهم تعريضًا بغباوتهم وذلك لغفلتهم عن هذه الدلالة على أنه المتفرد بالإلهيّة [1] فاستغنى في الآية الثانية عن الإضافة، ومن ذلك قوله تعالى: (( وتلك حجّتنا آتيناها إبراهيمَ على قومه ) ) [الأنعام/ 83] .
وجاء التعبير باسم الإشارة للبعيد لتفخيم شأن المشار إليه، والإشعار بعلو طبقته، وسمو منزلته في الفضل [2] وهي (( إشارة إلى جميع ما تكلّم به إبراهيم في محاجة قومه وأتى باسم إشارة مؤنث لأنّ المشار إليه حجة ) ) [3] . ولا شك في أنّ إبراهيم (عليه السلام) كان يحاجج قومه إثباتًا لإلوهية الخالق عزّ وجل لذا كان الله سبحانه سنده، فألهمه الحجة وجعله يلقي ما يعبّر عنها في نفسه، لذا جاء الخبر مضافًا إليه تعالى (( على سبيل التشريف وكان المضاف إليه بنون العظمة لإيتاء المتكلم وآتيناها أي أحضرناها بباله وخلقناها في نفسه إذ هي من الحجج العقليّة أو آتيناها بوحي منا ولقناه إياها ) ) [4] .
ومن ذلك قوله تعالى: (( ونزّلنا من السّماء ماءً مباركًا فأنبتنا به جنّاتٍ وحبّ الحصيد، والنّخل باسقات لها طلع نضيد، رزقًا للعباد وأحيينا به بلدة ميتًا كذلك الخروج ) ) [ق/ 9_11] .
فـ (( الإشارة بـ(ذلك) إلى ما ذكر آنفًا من إحياء الأرض بعد موتها، أي كما أحيينا الأرض بعد موتها كذلك نحيي النّاس بعد موتهم وبلاهم مع إفادتها تعظيم شأن المشار إليه، أي مثل البعث العظيم الإبداع )) [5] وقد تقدم الخبر على المبتدأ للعناية والاهتمام به لأنّه المراد بالحديث ومن ذلك قوله تعالى على لسان موسى (عليه السلام) موجهًا الخطاب لفرعون وملئه: (( قال ربّكم وربّ آبائكم الأوّلين ) )
(1) ينظر التحرير والتنوير 7/ 389.
(2) إرشاد العقل السليم 2/ 174، من أسرار البلاغة في القرآن 98.
(3) التحرير والتنوير 7/ 334.
(4) البحر المحيط 4/ 172.
(5) التحرير والتنوير 26/ 294.