الصفحة 80 من 233

من أن يكون قد علمها على الجملة وحُدّث بها فإنك على كل حال لا تقول: هذا الذي قدم رسولًا: لمن لم يعلم أن رسولًا قدم ولم يبلغه ذلك في جملة ولا تفصيل. وكذا لا تقول: هذا الذي كان عندك أمس، لمن قد نسي إنه كان عنده إنسان وذهب عن وهمه وإنما تقوله لمن ذاك على ذكر منه إلا أنه رأى رجلًا يقبل من بعيد فلا يعلم أنه ذاك ويظنه إنسانًا غيره )) [1] . وعلى هذا يمكن أن نقول: إن مجيء (الذي) مع ضمير الشأن لم يكن اعتباطيًا، إنما دعت إلى استعماله دقة التعبير القرآني، فالكفار كانوا على علم بقدرة الله تعالى وتفرده في خلق هذا الكون الرحيب وبإنعامه على خلقه بأنواع النعم المختلفة بدليل قوله تعالى:

(( ولئن سألتَهم مَنْ خلق السّموات والأرض وسخّر الشمسَ والقمرَ ليقولن الله ) ) [العنكبوت/61] وقوله (( ولئن سألتهم من نزّل من السماء ماءً فأحيا به الأرض من بعد موتِها ليقولنَّ اللهُ ) ) [العنكبوت/63] .

والعلم بالشيء لا ينفع إن لم يؤد إلى العمل لذا جاءت الآيات الكريمة مخاطبة لهم بـ (هو الذي) كأنهم لم يعلموا إذ اقتضت العدالة الإلهية إيراد الحجج إفحامًا للكافرين وإبطالًا لحججهم في عدم عبادتهم الله ومن ذلك قوله تعالى:

(( هو الّذي يتوفّكم بالّيل ويعلم ما جرحتم بالنّهار ) ) [الأنعام/60] وقوله:

(( هو الذي خلقكم من طين ) ) [الأنعام/2] وقوله:

(( هو الّذي جعلَ لكم النّجوم لتهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحر ) ) [الأنعام/97] وقوله: (( هو الذي خلق السّموات والأرض في ستّة أيام ) ) [هود/ 7] وقوله:

(( هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ) ) [البقرة/29] وقوله:

(( هو الّذي خلق الّيل والنّهار والشّمس والقمر كلّ في فلك يسبحون ) ) [الأنبياء/33]

والملاحظ على الموصول في الآيات المذكورة آنفًا أن صلته تضمنت أفعالًا اختصت بالذات الإلهية فلا يمكن أن يدعي الكفار شركة لأصنامهم فيها وهذا ما اختص به هذا الاسم فهو يجمع في صلته ما يراد إبلاغه وإيصاله لذا اختير مع

(1) دلائل الإعجاز 155.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت