هذه اللفظة تدلّ ـ أيضًا ـ على قوة في اللفظ والمعنى، فالتعبير بها أبلغ ممّا لو قيل (سبّح) لذا جيء بها في المواضع التي تقتضي قوة في تنزيه الله سبحانه وذلك حين يحكي القرآن أقوال الكفار وإشراكهم بالله نحو قوله تعالى:
(( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحقّ إنّما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلثة انتهوا خيرًا لكم إنّما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السّموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلًا ) ) [النساء/ 171] .
فـ (( لفظة سبحان تفيد التنزيه عما لا يليق به من الولد والصاحبة ) ) [1] .
ومن ذلك قوله تعالى:
(( ما اتّخذ الله من ولدٍ وما كان معه من إلهٍ إذًا لذهب كلّ إلهٍ بما خلق ولعلا بعضهم على بعضٍ سبحان الله عمّا يصفون ) ) [المؤمنون/ 91] .
فقوله (سبحان الله) (( تنزيه الله وتبرئته من السّوء، ومن أن يكون إله غيره تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا ) ) [2] . وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ التركيب الأوّل جاء فيه المصدر مضافًا إلى ضمير الشأن في حين جاء المصدر في التركيب الثاني مضافًا إلى لفظ الجلالة، ويبدو لي أنّ السبب يعود إلى أنّ الآية الأولى جاء فيها ذكر لفظ الجلالة في الجملة نفسها حين قال: (( إنّما الله إله واحد سبحانه ) )في حين جاء لفظ الجلالة في الآية الثانية في جملة وفي جملة ثانية جاء ذكر المصدر فتباعدت المسافة بينهما فاستدعى ذلك إضافة المصدر إلى لفظ الجلالة لتربية المهابة في نفوس المخاطبين للابتعاد عما قالوه. وجوهر التنزيه في المصدر (سبحان) (( يقوم على المباعدة، فحين ننزه الله تعالى عن أمر ما، فإننا نقوم بإبعاده عن ذلك الأمر، والاستبعاد يقوم على النفي والإنكار ) ) [3] لذا كان التعبير به أبلغ من (سبّح) .
(1) التبيان في تفسير القرآن 3/ 403.
(2) معاني القرآن وإعرابه 4/ 20.
(3) أساليب التعجب في القرآن 134.